مشكلة الاسلوب / الدكتور عصمت سيف الدولة
كتبهامحب الوطن العربي ، في 9 نوفمبر 2008 الساعة: 10:48 ص
قد لايختلف اثنان من التقدميين في الوطن العربي على الغاية التي انتهينا اليها : دولة الوحدة الديموقراطية الاشتراكية . ولكنهما يختلفان ، ويختلف كثير غيرهم ، في الاجابة على السؤال : كيف تتحقق ؟ وهذه هي الثغرة القاتلة تفتك بأمل الشعب العربي في إقامة دولة الوحدة الديموقراطية الاشتراكية وتبقيها شعاراً من كلمات مرصوصة تتعثر خطوات الذين يريدون أن يحققوه في الواقع العربي لأنهم لا يتفقون على كيف يتحقق . وهي ثغرة قاتلة على المستوى الفكري وعلى مستوى الممارسة كليهما .
فعلى المستوى الفكري نجد في الوطن العربي أساتذة في فلسفة الحرية ، وأساتذة في النظريات القومية ، وأساتذة في المذاهب الاشتراكية ، يستطيع كل منهم – وقد استطاعوا فعلاً – أن يكسبوا لدولة الوحدة الديموقراطية الاشتراكية – كغاية – قبول أعرض الجماهير العربية الواعية . واستطاعوا – فعلاً – أن يملأوا المكتبة العربية الى حد التخمة بدراسات عن التحرر وعن القومية وعن الاشتراكية برروا بها دولة الوحدة الديموقراطية الاشتراكية بكل حجة ، وأكدوا ضرورتها بكل منطق . واستطاعوا – فعلاً – أن فرضوا في مواجهة أي شعار آخر سيادة الشعار المثلث الذي يرمز الى دولة دولة المستقبل . فهو يتردد في كل مكان من الوطن العربي ، وترفعه قوى كثيرة من الشعب العربي . ومع هذا أو بالرغم من هذا ، فليس في الفكر القومي دراسات كافية أو وافية تجيب على السؤال : كيف تقوم دولة الوحدة الديموقراطية الاشتراكية في الوطن العربي .
وقد عرفنا مصدر هذه الثغرة القاتلة عند حديثنا عن الخطر الحقيقي لأزمة المنهج في الفكر القومي وقلنا أنه يتمثل فيما يسببه القصور في الفكر القومي من اضطراب داخل الحركة القومية ذاتها . حيث تؤدي غيبة المنهج في الفكر القومي التقدمي الى عجزه عن توحيد القوى العريضة التي تتبناه وترفع شعاراته وتتحرك على هديه . فنرى الناس ، أغلب الناس ان لم نقل كلهم تقريباً متفقين على ان غايتهم الحرية والوحدة والاشتراكية او أياً ما كان ترتيب الكلمات ما دامت تعني معاً اقامة دولة الوحدة الاشتراكية الديموقراطية في الوطن العربي . فإذا ما تحاوروا مع غيرهم ، أو فيما بينهم ، نرى الكلمات الواحدة وقد أصبحت ذات دلالات مختلفة . فلا يتفقون على مفهوم الحرية ولا على الطريق اليها . ولا يتفقون على الطريق الى الوحدة ولا على بنائها الدستوري . ولا يتفقون على مضمون موحد للاشتراكية ولا على كيفية بنائها في الوطن العربي . ولا يعنون – حتى مجرد عناية – بالاتفاق على فهم واحد لتلك المشكلة بالغة الخطر والخطورة ونعني بها مشكلة الديموقراطية . ثم ، وهذا أخطر ما في الأمر ، لا يتفقون على العلاقة بين الحرية والوحدة والاشتراكية ، لا على المستوى الفكري ولا على المستوى التطبيقي . كل هذا وهم يتحركون في اتجاه الحرية والوحدة والاشتراكية كما يفهمها كل فريق منهم فإذا بهم عاجزون عن ان يلتقوا في قوة مناضلة واحدة أو حتى على أن يجنبوا قواهم الصدام والصراع فيما بينهم لأن غيبة المنهج في الفكر القومي التقدمي الذي يرفعون – جميعاً – شعاراته تحول دون أن يلتقوا على نظرية قومية تقدمية واحدة يحتكمون اليها فعلاً يختلفون فلا يبقى إلا ان يحتكم كل فريق الى نظريته الخاصة ويحاكم بها رفاقه . فنرى القوميين التقدميين في الوطن العربي فرقاً موحدة الغايات موحدة الشعارات ممزقة الصفوف ( فقرة 16 ) .
ان غيبة المنهج اذن هي التي حالت دون أن يستكمل الفكر القومي التقدمي بناءه بنظرية في الاسلوب . لأننا عندما لانعرف كيف وصلنا الى الغايات فكرياً لا نعرف كيف نحققها في الواقع . إذ المنهج هو منطق فهم الواقع والتعامل معه .
أما على مستوى الممارسة فإن مشكلة الاسلوب تكاد تشوه الغايات العظيمة التي يناضل من اجلها الشعب العربي . فتحت شعار الحرية والوحدة والاشتراكية ، أو الحرية والاشتراكية والوحدة ، او الحرية والوحدة والاشتراكية … أو اياً ما كان ترتيب الكلمات – وهو ترتيب يفضح الاختلاف في الاسلوب كما سنرى – يقدم الشعب العربي منذ عشرين عاماً تضحيات هائلة من وقته وجهده وماله وحياة أبنائه فيثبت بهذا استعداده للبذل في سبيل غاياته ومقدرته الفذة على احتمال متاعب الطريق اليها . ومع هذا ، او بالرغم من هذا ، لا يتقدم الى تلك الغايات بالقدر المتكافيء مع تضحياته . ان المثل الصارخ لهذا هو ما قدمه الشعب العربي من تضحيات حية في معاركه ضد الصهيونية . من قبل سنة 1948 ومنذ سنة 1948 استشهد عشرات الالوف من الشباب العربي وتشرد الملايين بدون ان تتحقق غايتهم العادلة النبيلة . الغاية واضحة والتضحيات بطولية ، مرجع الفشل اذن الى الاسلوب . وفي غير ساحة فلسطين يرى الشعب العربي مأساته اليومية المتكررة في مشكلة الاسلوب . النضال من أجل التحرر باسلوب الاستبداد في المناضلين حتى يكاد الناس يكرهون تلك الحرية التي يتذرع بها المستبدون . النضال من أجل الوحدة باسلوب الاقليمية المستغلة حتى يكاد الناس يكرهون تلك الوحدة التي يفرضها الاقليميون . النضال من اجل الاشتراكية باسلوب القهر الديكتاتوري حتى يكاد الناس يكرهون تلك الاشتراكية التي تفرض عليهم قهر الحاكمين . النضال من اجل دولة الوحدة الديموقراطية الاشتراكية باساليب شلل واحزاب لا هي واحدة ولا هي ديموقراطية ولا هي اشتراكية حتى يكاد الناس يكفرون بدولة الوحدة الديموقراطية الاشتراكية .
ويكاد كل هذا ان يؤدي بالشعب العربي الى ردة يائسة عن تلك الغايات العظيمة التي جنى عليها الاسلوب واختلط بها فشوهها . والاسلوب كالقبضة الملوثة تترك بصماتها الشائهة على ما هو نقي فتشوه نقاءه . والشعب العربي معذور . في أن يكره التحرر المختلط بقبضة الاستبداد . وان يكره الوحدة المختلطة بقبضة الاستغلال . وان يكره الاشتراكية المختلطة بقبضة الديكتاتورية . لأن غاية الشعب العربي – كأي شعب آخر – ان يتحرر من قيود الماضي ليصبح حراً في بناء المستقبل . فما الذي يجنيه من ثمار تضحياته في كسر قيود الاستعمار الخارجي اذا كبل بقيود الاستعمار الداخلي ؟ …
وماالذي يجنيه من فك حصار الاقليمية اذا حاصر ، الاستغلال في دولة الوحدة ؟ .. وما الذي يجنيه من ثمار تضحياته في تصفية الاقطاع والرأسمالية اذا عادت تقهره وتستغله الديكتاتورية ؟ … لا يجني شيئاً . وعندما نرى الشعب العربي لايبالي بوعود الحرية من أفواه المستبدين ، ووعود الوحدة من أفواه الاقليميين ووعود الاشتراكية من أفواه دعاة الديكتاتورية ، فلا ينبغي ان نتهم ذكاؤه . انه في لا مبالاته اذكى من الواعدين واذكى من الذين يصدقونهم . انه معذور ولكن الردة خطأ خطر .
خطأ لأن الرد الصحيح على الخطأ هو التصحيح . وإذا كان اسلوب الاستبداد يشوه هدف التحرر فليسقط الاستبداد من أجل التحرر . وإذا كان اسلوب الاقليمية يشوه هدف الوحدة فلتسقط الاقليمية من اجل الوحدة . واذا كان اسلوب الديكتاتورية يشوه هدف الاشتراكية فلتسقط الديكتاتورية من اجل الاشتراكية . ومن يدري . ربما كانت الغاية الخفية لمن يشوهون التحرر بالاستبداد أن يرتد الناس عن الوحدة . ربما كانت الغاية الخفية للديكتاتورية أن يرتد الناس عن الاشتراكية . ربما كانت غاياتهم جميعاً أن ترتد الجماهير عن غاياتها فهم يخلطونها بأساليبهم الرديئة ليرتد الناس عنها لا أكثر . ولعل أعدى أعداء الحرية والوحدة والاشتراكية هم الذين يرفعون الشعار ليختلطوا بأصحاب المصلحة فيه ثم يدسون عليه أساليبهم ليحولوه الى شعار للفشل . إن العدوان الشرس الذي تشده قوى عاتية ضد الأمة العربية وأساليبها بالغة الخفاء والالتواء في هزيمة هدف الوحدة الديموقراطية الاشتراكية ليثير في أذهاننا هذا الظن وبعض الظن اثم ولكنه ليس اثماً كله . على أي حال فإن الردة ليست خطأ فقط بل هي خطر ذو آثار مدمرة . إذ أن الساحة العربية ليست خالية من القوى التي تريد وتعمل ولا تيأس او ترتد عن فرض سيطرتها على الشعب العربي ومصادرة مستقبله لحسابها . وعندما تتراجع قدم عربية تقدمية عن موقع كسبته لن يبقى الموقع خالياً بل ستحتله قوى معادية متربصة . إن تتراجع عن موقع كسبته على الطريق الى التحرر تحتله القوى الصهيونية والاستعمارية . وان تتراجع عن موقع كسبته على الطريق الى الوحدة تحتله القوى الاقليمية . وان تتراجع عن موقع كسبته على الطريق الى الاشتراكية تحتله القوى الرجعية . والتراجع اشد خطراً من التوقف . التوقف عجز عن التقدم أما التراجع عن الغاية فهو انهزام نسلم به المستقبل العربي الى اعداء الأمة العربية .
ثم لماذا اليأس أو التراجع أو حتى التوقف ؟ . إننا لسنا اول شعب في التاريخ يناضل من أجل تقدمه . وإذا كنا قد فشلنا فمن قبلنا فشلت شعوب كثيرة قبل ان تتعلم كيف تتقدم . وإذا كنا نريد ان ننجح فمن قبلنا نجحت شعوب كثيرة فتقدمت . ثم انه لا حيلة لنا – مثل كل الشعوب – في حتمية التقدم . إن اليأس او التراجع لن ينهي مشكلاتنا الاجتماعية . نحن نهرب وتظل هي قائمة إلى أن تضيق بنا ، أو بأبنائنا ، الحياة في المهرب ، فنضطر أو يضطرون الى العودة لمواجهة ذات المشكلات بعد أن تكون قد أصبحت أكثر تعقيداً . فإذا كنا نفتقد معرفة الاسلوب الذي نتقدم به الى غايتنا العظيمة ، دولة الوحدة الديموقراطية الاشتراكية ، فلنضاعف جهودنا لمعرفته . وعندما نعرفه نلتزمه . عندئذ لا نيأس فنرتد ، ولا نعجز فنتوقف ، بل نتقدم أبداً . ولو فعلنا لتبين لنا أن نظرية الاسلوب تكاد تبلغ من فرط بساطتها حد البدهية ، وان كل ما نحن مطالبون به هو ان نقبل التعامل مع القوانين الموضوعية التي تضبط – حتماً – حركة الاشياء والظواهر . وهو ما يقتضي – قبل كل شيء – أن نكف عن المحاولات المثالية لفرض أهوائنا على الواقع الموضوعي . وان يكون لنا منهج فنلتزمه .
ولقد عرفنا من قبل أثر غيبة المنهج في الممارسة . وقلنا : ان الحساب الختامي لأية مسيرة غير عقائدية خسارة فادحة . وانه ما دامت حركة المجتمعات منضبطة بقوانين حتمية معروفة او تمكن معرفتها ، وان معرفة تلك القوانين وشروط فعاليتها لازمة لامكان تغيير الواقع الاجتماعي ، فإذا كنا قد فشلنا مرة ، ومرة ، ومرات فإن هذا لا يعني أن نصر على التجريب في حياة الناس ، بل يعني أن علينا ان نبذل جهداً اكبر في معرفة كيف نغيّر واقعنا ، وان المصدر الأساسي للفشل لم يكن خطأ في الممارسة وخطأ في القومية أو خطأ في الاشتراكية ولكن مرجعه أن الفهم الليبرالي للقومية لا يعلمنا العلاقة بين الوحدة والاشتراكية فيبقى الموقف القومي من الاشتراكية مفتقداً أساسه الفكري . وان المنهج التجريبي في الاشتراكية لا يعلمنا العلاقة بين الاشتراكية والقومية فيبقى الموقف الاشتراكي من الوحدة مفتقداً أساسه الفكري . وان هذا القصور في النظرية قد سمح بان تختلط بالقوى القومية التقدمية ، داخل الحركة القومية ، قوى رأسمالية متراجعة أو لا قومية متراجعة أو انتهازية ترفع جميعاً شعارات واحدة وتحتفظ كل منها بفهم خاص وتفسير خاص للشعارات الموحدة . فإذا بالحركة القومية المنتفخة بقواها غير قادرة على تحقيق شعاراتها أو حتى على أن تجمع في قوة واحدة جماهيرها العريضة . وان الفشل المتكرر يعني أن ثمة خطأ ما في المسيرة كلها لا يكفي لتصحيحه مجرد الجمع في شعار واحد بين الحرية والوحدة والاشتراكية . فلا بد لنا من نظرية لتغيير الواقع أكثر وضوحاً وأكثر بلورة وأكثر مقدرة على فرز القوى المختلطة في داخل الحركة القومية . نظرية نلتقي بها في قوة واحدة ولوكانت أقل عدداً . ونلتزم فيها بخطة واحدة ولوكانت أطول مدى . وتقود خطانا ولو كانت أبطأ حركة . فإننا حينئذ سنتقدم تقدماً مطرداً بدلاً من ان نقفز الى الأمام لتعود فنقفز الى الخلف و لا نتقدم إلا قليلاً . وان علينا ان نهتدي الى هذه النظرية ولو اقتضى هذا أن نراجع كل ما نعرف عن القومية وكل ما نعرف عن الاشتراكية . وما دمنا نريد أن نغير واقعنا العربي المجزأ سياسياً المتخلف اقتصادياً فلا ينبغي لنا أن نسلم بنظرية في القومية لا تعلمنا كيف نحقق الاشتراكية أو نظرية في الاشتراكية لا تعلمنا كيف نحقق الوحدة . وغذا اقتضى الأمر نبحث في مستوى أعمق من هذا لعلنا نعرف لماذا تفشل تلك النظريات في تعليمنا كيف نغير واقعنا العربي فتفشل مسيرتنا بالرغم مما نبذل من جهد وما نقدم من تضحيات . واول ما يجب ان نعرفه هو كيف عرف أصحاب تلك النظريات في القومية أو في الاشتراكية أن القومية أو الاشتراكية هي – حقيقة – على الوجه الذي قالوه وتعلمناه منهم . فعلّنا نعرف من حقيقة القومية أو الاشتراكية غير ما يعرفون . أي علينا ان نعرف ونختبر مناهجهم قبل أن نقبل أو نرفض نظرياتهم وقبل أن نمارسها أو نجربها في تغيير الواقع العربي ( فقرة 6 ) .
وهكذا كانت غيبة نظرية في الاسلوب على المستوى الفكري وفشل الاسلوب التجريبي على مستوى الممارسة هو الذي حملنا على تلك المراجعة لمنطلقاتنا وغاياتنا وعلى ان نعود فنبدأ من جديد بحثاً عن المنهج . فكأن كل ما قلنا كان بحثاً عن حل لمشكلة الاسلوب . ولقد بدأنا بذلك المنهج بسيط الكلمات ( جدل الانسان ) وحملناه معنا في كل سطر من فقرة وفي كل فقرة من موضوع فحددنا به منطلقاتنا وحددنا به غاياتنا وأجبنا به على كل الاسئلة التي خطرت لنا خلال الحديث . غير ان هذا كله أصبح معلقاً على صحة الاجابة على السؤال الذي يصل الفكر بالواقع وتتحول به الغايات الى حياة : كيف نحقق دولة الوحدة الديموقراطية الاشتراكية في الوطن العربي . ولقد أعدنا كل هذا لنعرف أمراً على جانب كبير من الأهمية : ان الاسلوب ليس متروكاً للاجتهاد الفردي في ساحة الممارسة ولكنه جزء من النظرية التي نلتقي عليها ونلتزم بها ونحتكم اليها . وعلى اساس الالتزام بالمنطلقات والغايات والاسلوب معاً تفرز القوى كل يلتقي على نظريته ويلتزم بها ويعمل على تحقيقها في الواقع باسلوبها . وعندما تفرز القوى تكون كل واحدة منها أقدر بذاتها على تحقيق غاياتها منها وهي مختلطة بغيرها تحت ستار وحدة الحلول الصحيحة للمشكلات الاجتماعية . وهذا الفرز هو اول خطوة في سبيل حل مشكلة الاسلوب .
كيف ؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : الأسلوب | السمات:الأسلوب
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
































