القوميون في تونس والدور المطلوب فتحي بالحاج
كتبهامحب الوطن العربي ، في 21 نوفمبر 2008 الساعة: 17:06 م
يكتسي الحديث عن التيار القومي العربي في تونس أهمية قصوى نظرا للدور الهام الذي قام به في معارك الدفاع عن هوية تونس وفي معارك الديمقراطية والحريات في القطر. فمنذ إن أرخى الاستبداد بسد وله على تونس العربية منذ سنة 1955، تحت دعاوي الاستقلال كان القوميون في الخط الأمامي في مواجهة هذا الاستبداد، من اجل إرساء نظام ديمقراطي تتعايش في ظله كل مكونات شعب تونس. إن التيار القومي الناصري تميّز منذ نشأته باستقلالية قاطعة تجاه نظام الحكم. فتعامل هذا التيار مع النظام من موقع الخنادق المتقابلة، مما أصبغ على هذا التيار طهارة ثورية وعفة كثيرا ما فقدتها العديد من الأحزاب و التيارات السياسية التي طفح بها التاريخ السياسي العربي المعاصر. فلئن تمكن النظام من ترويض بعض التيارات السياسية في بعضفترات تاريخية، فان التيار القومي بقي عصيا على الاحتواء، وتمكن من إن يصمد أمام المحاولات المتعددة لنظام الحكم. أهمية الحديث عن التيار القومي تتأتى أيضا من طبيعة المشروع الذي يحمله. ففي الخطاب القومي يتناغم البعد الإسلامي والبعد العقلاني التقدمي، وهو ما يجعل منه منطقة جذب لقواعد القوى السياسية الأخرى ومحط اهتمام. للعديد من المهتمين بالشأن العام.. إن التيار القومي أصبح حقيقة لا يمكن تجاهلها ولم يعد أحد بقادر أن ينكر تنامي وامتداد الحركة الوحدوية في تونس في السنين الأخيرة، وهناك مؤشرات عدة تبين أن هذا التيار جدد في أساليب عمله وتجاوز العديد من أخطاء التي صاحبت تجربته. إن هذه الظاهرة التي بدأت تكتسح الحقل السياسي في تونس تعتبر اكبر اعتراف لتضحيات الأجيال السابقة من القوى الوحدوية في تونس. إن القوة الوحدوية من القوى السياسية المهمة والفاعلة في البلاد بالرغم من العوامل العديدة التي عملت على تهميشها وإقصائها من الساحة السياسية.في هذه الورقة القصيرة لا نود العودة بالحديث عن تجارب الوحدويين في تونس أو في الوطن العربي فهي لا شك عديدة وثرية وتستحق دراسات معمقة للاستفادة من هذه التجارب. ولكن سنحاول رصد معالم دور القوميين الآن والذي من المفروض الاضطلاع به في ظل واقع قومي وقطري شديد التعقيد من خلال مساهمة فعالة علنية في تغيير الواقع فكريا وثقافيا وسياسيا وترجيح كفة ميزان القوى لصالح قوى المستقبل العربي.ذلك أن تشكيل قطب سياسي فكري جديد يدافع على الهوية من منطلق عقلاني وتقدمي وعلى أسس ديمقراطية سليمة، لن يكتب له النجاح ما لم يكن عصبه وعوده الفقري التيار القومي العربي. فالقوميون هم استجابة للتحديات المطروحة على الأمة العربية. إنهم المشروع الذي يعمل على تجاوز واقع الانحطاط والتخلف التي تعيشه الأمة ويعمل على تحريرها لاسترجاع دورها الحضاري. إنهم التعبير عن قطاع جماهيري واسع ملتزم بالإستراتيجية القومية لمواجهة كافة الاستحقاقات الوطنية و القومية و العالمية. وبهذا المعنى فان البديل القومي يتبنى الإستراتيجية التي حمل عبئها جمال عبد الناصر و المتجلية في تحقيق التحرر و الحرية و التقدم و الاشتراكية و مجتمع الكفاية و العدل و الوحدة العربية و مواجهة قوى الهيمنة و تحقيق التجدد الحضاري المتسق مع ضرورات العصر و تطوراته. يضاف إلى تراث عبد الناصر، كل الإضافات الفكرية والاجتهادات المعرفية التي حاولت وتحاول تأصيل هذه الإضافة النوعية للفكر العربي النهضوي المعاصر وأساسا عبد اله الريماوي ونديم البيطار وعصمت سيف الدولة وصفوة حاتم..وحبيب عيسى…ومجمل التجارب التي خاضتها الأحزاب والتنظيمات القومية على امتداد الوطن العربي..الخ. إن البديل القومي بديل خصب وثري ومنفتح وعقلاني يرفض الانغلاق والتحجر يتفاعل مع الواقع القطري فلا ينكر التشوهات التي أحدثتها سياسات القوى القطرية في الواقع القومي العربي، بل يعمل على تغييرها وإعادة ا\لأشياء إلى طبيعتها. من قلب هذا الواقع الإقليمي الآسن يسعى القوميون إلى صياغة الحياة مع ما يتماشى مع الهدف القومي وبما يساهم في حل مشكلات التنمية والتخلف. وهذا يتطلب جهدا مضاعف من قبل القوميين وتقديم إضافات جديدة للعمل الوحدوي إنها مسؤولية الجيل الجديد لبذل المزيد من الجهد الفكري والبحث العلمي والمعرفي من اجل تنمية وحدوية تقدمية. ونعتقد إن كل تجريه في أي قطر تعتبر إضافة لهذا الصرح الذي بدا في تشييده عبد الناصر وصاغه في سياقه العلمي والمنهجي العديد من المناضلين.
جذور ضاربة في التاريخ وفشل سياسة اجتثاث القوميين
في تونس العربية فمنذ 1955 واجهت القوى القومية حملة عنيفة، من قبل بورقيبة، سواء في تجلياتها الأولى الحركة اليوسفية أو ما أتى بعدها من تنظيمات ومنظمات سياسية وفكرية تبنت النهج القومي الناصري. يعتبر القوميون من أوائل القوى السياسية التي أخذت على عاتقها تحرير الوطن والمواطن، لقد ساهمت الكتائب القومية في مواجهة الاستعمار الفرنسي، وكانت طليعة الشعب في معركة التحرير. ويهدف المشروع القومي إلى تحرير المواطن من كل مظاهر الاستبداد والاستعباد فكانت الديمقراطية وبناء حكم وطني تقدمي ديمقراطي الهدف الذي ناضلت الطلائع القومية وقد دفعت فيه ضريبة الدم. فكان قوميو تونس طليعة النضال العربي في الدفاع عن المشروع النهضوي العربي …وبالرغم من المظالم العديدة التي لحقت بهم وسياسة المطاردة التي تعرضت لها القيادات القومية فان التيار القومي عمل على تشكيل درع وقاية في مواجهة محاولات التغريب والتخريب التي تعرض لها القطر لقد نال القوميون النصيب الأوفر من أذى بورقيبة، وهو الذي جعل منهم العدو رقم واحد، ولا نعتقد أن هناك وحدويا يمكن أن ينسى ما تعرضت الحركة القومية (اليوسفية …وما لحقها) من إعدامات وتعذيب وتشريد وما رشح من سنوات الجمر في تونس البورقيبية حتى الآن إلا القليل. لقد صمد أحفاد عبد الناصر وصالح بن يوسف واستمروا في التعبير عن الرأي الشعبي والروح النضالية في مواجهة كافة أشكال القمع والترهيب، وهاهم يعبّرون عن طموحات شعبهم أكثر نضجا واكتمالا، إن آلاف الطلاب والشباب الذين يرفعون راية عصمت سيف الدولة وعبد الناصر ويدافعون عن صالح بن يوسف لم يعيشوا تلك المراحل الخصبة ولم يقرؤوا على فترات العزة والتحدي في البرامج الدراسية. كل ما قراه هذا الجيل كان في كتب تحمل تحت الإبط. إن هذا الجيل الجديد لم يقرا في الكتب المدرسية إلا ما يمكن أن يشوّه هذه الفترات الناصعة من المواجهة مع قوى الإنبتات والاستبداد. وأنّى لهم تحقيق ما يريدون. لقد زوروا التاريخ حاولوا وإخراج التيار القومي من كتابة تاريخ الحركة الوطنية ولم ينجحوا، وعملوا على تشويه تجربة عبد الناصر، عبر التعتيم والتشويه ولم ينجحوا. لم تنجح عمليات التزوير وهاهو التيار القومي يعود إلى ساحة الفعل الحقيقي.
تونس الدور المطلوب
تضطلع تونس بدور ذا أهمية كبرى في ربط مشرق الوطن العربي بمغربه، فقد لعبت حلقة الوصل والتواصل منذ الفتح الإسلامي وبداية تشكل الأمة العربية، ولازالت تلعب هذا الدور بالرغم من سياسة الانطواء القطري وخطط العزل التي رسمت لها أكثر من مرة. لقد لعبت تونس دورا خطيرا في ربط شرق الوطن الكبير بغربه وان اختلف مضمون الدور من مرحلة إلى أخرى وذلك حسب اختلاف الإرادة السياسية التي كانت وراءه. فعندما تتوفر الإرادة السياسية يمكن أن تلعب تونس دورا أساسيا في تجاوز حالة القطيعة والتشرذم التي تعمل القوى القطرية والإقليمية على تكريسه في الوطن العربي، وستكون تونس بالضرورة حلقة انسياب مشرق الوطن العربي بمغربه. إن حجم تونس الصغير لا يقلل من دورها وإشعاعها الفكري والحضاري في الأمة العربية، ففي كل فترات النهوض العربي كانت تونس سباقة في تبني وبلورة المشروع النهضوي العربي. وبإمكانها الآن أن تلعب دورا أساسيا لا يقل عن الدور الذي يمكن أن تلعبه الأقاليم الأخرى في بلورة مشروع نهضوي عربي جديد مناهضا للعولمة المتوغلة وما تطرحه من قيم وأفكار، ويقطع مع مصادرة الإرادة العربية و يقطع أيضا مع مشاريع التفتيت وإثارة النعرة الإقليمية و الطائفية واستثارة المشاعر مادون القومية. إن تونس العربية المسلمة تتطلع إلى التواصل الطبيعي مع محيطها العربي فهي ترنو إلى الوحدة وترى في المشروع الوحدوي العربي خلاصها. إن شعب تونس يمد يديه في اتجاه مشرق الوطن الكبير وفي اتجاه مغربه، طالبا ومطالبا بالوحدة المغاربية والعربية على أسس ديمقراطية. هذا النزوع الطبيعي لشعب تونس حاولت القوى القطرية إعطاءه تحليلا تآمريا لتسهل عملية إجهاض المشروع الحضاري العربي .. طيلة الفترات السابقة حولوا هذا النزوع الطبيعي إلى تآمر ومؤامرات خارجية. ففي أوج ما اعتبر استقراراً، وما نسميه انغلاقا على كل ما هو عربي، أطنب بورقيبة في اجترارالمؤامرات والصراعات. إن شعب تونس ما كفّ التطلع نحو هذا الخارج القومي ولعل الخلافات مع ليبيا ومع الجزائر والتقلبات التي صاحبت والمواقف من بناء وحدة المغرب العربي الكبير منذ اتفاقية طنجة، وهذا الاستجابة التلقائية لشعب تونس مع كل القضايا القومية دليل غير قابل للنقض على نزوع شعب تونس للوحدة العربية، بالرغم من محاولات القوى القطرية ودعاة التقوقع والانغلاق.. ما تزال قوى سياسية تعمل عكس تيار التاريخ فتراها تركز على إبراز عناصر الخلاف والاختلاف وطمس عناصر الوحدة على الرغم مما أظهره الشعب من ميل وحدوي شعبي جارف كثيرا ما عبر عنه الشارع بأساليبه الخاصة، كلما تمكن من الانفلات من القيود المفروضة عليه. إن القوميين يؤكدون على انتماء تونس العربي ويدعون إلى تجاوز سياسة الانطواء والانغلاق التي ميزت العقود التي مضت. والمساهمة الفعالة في بناء المشروع الوحدوي الديمقراطي ولم شمل العرب وتحقيق وحدة تبدو أكثر من أي وقت مضى طوق النجاة وطريق الخلاص من التخلف والهيمنة الأجنبية.
(…)
القوميون والدور المطلوب
في السياق السياسي والاجتماعي التي يمر به القطر الآن، يمكن أن نتحدث عن جملة من المهام التي نرى أنها مناط بعهدة القوميين وتمثل الدور المطلوب منهم في هذه المرحلة بالذات من اجل المساهمة في بناء نظام ديمقراطي متجذّر في محيطه العربي، يساهم بكل ما يملك من إمكانيات في تحقيق وحدة الأمة العربية على أسس ديمقراطية وفي تحرير أرضها من قوى الظلم والعدوان.هذا لا يتحقق إلا من خلال العمل مع باقي مكوّنات المجتمع السياسي على بناء نظام سياسي ديمقراطي يستمد فيه السلطة السياسية مشروعيتها من الشعب ليس باعتباره جمهوراً أو رعية وإنما باعتباره صاحب السلطة الفعلية ويمارس سلطته عبر نظام ديمقراطي سليم يفرز أجهزة حكم وسلطات منتخبة عبر صندوق الاقتراع وعلى قاعدة المساواة بين جميع المواطنين. عماد هذا النظام الديمقراطي هو فرض حقوقاً متساوية للمواطنين في تشكيل مؤسساتهم الحزبية والاجتماعية دون وصاية من فئة أو حزب أو فريق ودون حجب عن فئة أو حزب أو فريق. وإلغاء الاحتكار لقيادة الدولة والمجتمع لأي حزب أو فريق. و تكريس مبدأ الاحتكام الدوري لصندوق الاقتراع، فأغلبية الصندوق، بعد انتخابات تنافسية حرة متكافئة، هو المعيار الأحقية في إدارة الشؤون العامة. مع ضمان حق الأقلية في ممارسة دورها النقدي والدعائي و التوعوي و ألاستقطابي لمشروعها ونهجها. إن هذه الآلية في إدارة شؤون القطر ترتكز على جملة من المضامين السياسية والاجتماعية يعمل القوميون على ترسيخها وتجميع أكبر عدد من القوى السياسية والتيارات الفكرية حولها، ويمكن تسميتها بالثوابت حتى تلعب تونس دورها العربي المطلوب:
أولا- اعتبار الحقوق الأولية للإنسان كحق التعبير وكحق الشكوى وإبداء الرأي قيمة عليا فوق أي نص دستوري أو قانوني أو ميثاق عالمي أو محلي.
ثانيا إن من مسؤولية الدولة توفير الحماية الاقتصادية الضرورية ليمارس المواطن دوره بعيدا على كل أساليب القهر الاقتصادي، وبما يضمن مقدرته على إبداء رأيه دون خوف آو تسلط. وهذا يتطلب الدفاع على القطاع العام ورفض سياسة الخصخصة والتفويت في مؤسسات الدولة والتي تؤدي إلى الإجهاز على القطاع العام، العمود الفقري لدولة كل الشعب.
ثالثا- اعتبار حق المواطنة، لجميع المواطنين، حق مقدس ومنحهم جميع الحقوق والالتزامات الناجمة عنه وتأمين المساواة بالحقوق والواجبات. ومن واجبات الدولة توفير كل ما يجعل من هذا الحق واقعا معاشا.
رابعا ـ التأكيد على دور الإعلام في تحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، والثقافية، وفي تعميق الالتزام بالقضايا القومية، الوطنية، ومن أجل تحقيق الوظيفة الاجتماعية للإعلام وهذا يستدعي: تحرير وسائل الإعلام والنشر من إذاعة وتلفزيون…الخ من سيطرة الحزب الواحد بحيث تصبح هذه الوسائل الإعلامية ذات بعد وطني، ملتزمة بالقيم المدنية والدينية والاجتماعية والثقافية، ومتاحة لكل التيارات الفكرية والقوى السياسية، وإلغاء كل القيود التي من شأنها أن تعيق تطور قطاع الإعلام عليهما، وبما يضمن الاستخدام العادل، لوسائل الإعلام الوطنية، من قبل جميع القوى، والتيارات السياسية.
خامسا ـ إن التأكيد على هوية تونس العربية تعني أن تونس جزء لا يتجزأ من الأمة العربية وأن الوحدة العربية غاية تبذل كل الإمكانيات لتحقيقها. والمطلوب هو العمل على ترجمة هذه القاعدة في تشريعات دستورية وقانونية.
سادسا ـ العمل على تعزيز التضامن العربي الرسمي والشعبي، وتدعيم وتفعيل كافة مؤسسات العمل الشعبي القومي من اتحادات مهنية ونقابية ومؤتمرات بما في ذلك جامعة الدول العربية وذلك بتعزيز مؤسساتها وتعديل ميثاقها بما يضمن دورا أساسيا للجماهير العربية في صياغة قراراتها وما يكفل فعالية أكبر لها.
سابعا ـ الوقوف إلى جانب حق شعبنا في العراق وفلسطين وفي الأحواز في مقاومة الاحتلال، والعمل على إن تعمل تونس بصورة فعالة في تعزيز المقاطعة العربية للدوائر المعادية للمصالح العربية ورفض كافة مظاهر التطبيع مع العدو الصهيوني.
ثامنا ـ اعتماد أسلوب الحوار، بين جميع القوى، والفئات الاجتماعية والسياسية، من أجل البحث عن الحلول للاستحقاقات الوطنية، والقومية، التي تواجهها الأمة. من أجل الوصول إلى قواسم مشتركة، بين كل القوى التي تحمل الهم الوطني والهم القومي. بغية تحقيق قيام جبهة عربية عريضة تحمل المشروع النهضوي العربي المتجه نحو تحقيق الوحدة العربية لتحقيق التقدم والتنمية والرفاهة وتحصين الأمن القومي والتجدد الحضاري.
إنها بعض من جملة ثوابت يرفعها القوميون ويعملون على تحقيق إجماع وطني حولها في تونس، عبر الحوار الهادئ والمسئول مع كل الأطراف الوطنية. هذه بعض من ملامح الميثاق الجديد التي نود إن تكون محل إجماع بين الأطياف السياسية. إن هذه المبادئ العامة مثلها مثل جميع الأهداف والبرامج والغايات الأخرى، لا يمكن أن تتحقق بدون العمل من أجلها، وإيجاد الآليات والسبل القادرة على وضعها قيد التطبيق. وبالرغم من كل المعوقات فان القوميين يصرّون على الحوار وعلى تبني أساليب الإصلاح الديمقراطي السلمي فهم يرفضون العنف ويحتكمون في حركتهم وأساليب عملهم إلى الجماهير صاحبة المصلحة في التغيير الديمقراطي.ذلك أن ضعف التقاليد الديمقراطية، في الوطن العربي لا يعني جر الوطن إلى المجهول بل هذه الوضعية تدفع القوميين إلى التمسك أكثر بنبذ العنف، ورفض استخدامه في العمل السياسي. والإصرار على الاحتكام إلى الشعب والتمسك بمبدأ الحوار بين جميع التيارات السياسية. هذا يعني أن دور القوميين هو خلق فعاليات ضغط مجتمعي سلمية، تستخدم أساليب الاحتجاج الحضارية، وذلك عبر التواصل المباشر مع الجماهير، ومع القوى السياسية الأخرى ليفرضوا تغييرا في أنماط سلوك بعض القوى التي تفننت في استخدام أسلوب التكفير والإقصاء، من اجل دفعها إلى نبذ العنف وتبني أساليب العمل الديمقراطي باعتماد الحوار بين جميع القوى والفئات الاجتماعية والسياسية. إن الحوار الذي يدعو إليه القوميون يجب أن يكون مفتوحا لكل القوى السياسية بعيدا على أسلوب الإقصاء والتغييب والتهميش الذي ساد، في الماضي، وأستخدم من قوى سياسية عديدة في الحقل السياسي. إن قيام التكتلات والجبهات أمر مشروع تكفله كل التشريعات الإنسانية لكن المرفوض العودة إلى الخطاب القديم خطاب الإقصاء والإبعاد ومنع الآخر فيما هو قاسم مشترك. إن أي حقل سياسي يدعي لنفسه الديمقراطية والحرية لا يقبل بنمو مثل هذه الظواهر قرينة عهود الاستبداد. إن الحوار الذي يدعو إليه القوميون يقوم على الاعتراف بالآخر من حيث أنه مختلف من جهة ومن حقه المساهمة برأيه من جهة أخرى من حيث أنه مكوّن لهذا الحقل السياسي، بعيدا عن كل أساليب القهر والترهيب والابتزاز. إن الهدف من الحوار بين هذه المكوّنات المتعددة والمختلفة هو التأكيد على القواسم المشتركة بين كل هذه القوى الحاملة للهم الحضاري والهم التحرري. إن النهم السياسي وحب السيطرة وغرور القوة (سلطة آو معارضة) يحوّل رافعي الأهداف العظيمة إلى أكبر الممتهنين لها وتتحوّل الشعارات الكبيرة إلى كبائر. إن الحوار بما يعنيه من تبادل المعرفة المشتركة للمشكلات و تصور الحلول وتنفيذ رأي الأغلبية مع حق الأقلية في الدعوة إلى تصوراته هو الأسلوب الوحيد لتحقيق التقدم والتنمية والتجدد الحضاري. إن عملية التغيير الديمقراطي لا يمكن إن يكتب لها النجاح إلا من خلال مساهمة جماعية تساهم فيها كل القوى السياسية بالبلاد ذلك أن الدعوة والعمل من أجل إحداث التغيير ليس حكراً على طرف من أطراف المجتمع أو قوة من قواه مهما اعتقدت تلك القوة أو الفئة أنها تملك من مشروعية أو تاريخية، ومهما كان حجم تلك الفئة أو قوتها المادية، وإنما هو فعل جماعي تمارسه جميع قوى المجتمع وفئاته عبر الحوار والاحتكام إلى المواطنين بشكل دوري وعبر التنافس في خدمة هذا المجتمع وتطويره. إن الوحدويين يدعون إلى الجدل الاجتماعي. ويؤكدون مرة أخرى إن الديمقراطية هي أسلوب تطور المجتمعات.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : دراسات مهمة | السمات:دراسات مهمة
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
































