الحديث الآخر حول أسلوب الإعداد لبناء الحركة العربية الواحدة من جهة نظر قومية تقدمية
كتبهامحب الوطن العربي ، في 19 ديسمبر 2008 الساعة: 16:49 م
الحديث الآخر حول أسلوب الإعداد لبناء الحركة العربية الواحدة
من جهة نظر قومية تقدمية
الأمين البوعزيزي
مثل موضوع أهمية وضرورة بناء حزب قومي يكون الأداة الملائمة لقيادة حركة النضال القومي لإنجاز مشروع التحديث العربي المتمثل في دولة العرب الواحدة الديمقراطية الإشتراكية قناعة يتفق فيها كل القوميين العرب بمختلف منطلقاتهم ومرجعياتهم وإن إختلفوا في كيفية بناء هذه الأداة .
لكننا سنحصر الحديث في هذه الورقة على أطروحة القوميين العرب ممن إتخذوا من التجربة الناصرية مرجعية لهم .
أطلق عبد الناصر دعوته الشهيرة بضرورة إنشاء الحركة العربية الواحدة لتكون الأداة الملائمة لإنجاز مهمة الوحدة العربية بعد أن أدرك بالتجربة إستحالة تحقيقها عن طريق الإمكانيات الإقليمية عقب فشل وحدة 1958 بين مصر وسوريا وإستحالة تحقيقها عبر العمل الجبهوي عقب فشل المحادثات الثلاثية سنة 1963 التي أجرتها قيادة الثورة مع فرعي حزب البعث الحاكم في سوريا والعراق .
ولئن أعلن عن عدم تكفله بإنشائها بحكم موقعه كرئيس لدولة مصر بما يعنيه ذلك من عوائق دستورية وقانونية تحول دون تمكنه من قيادة حركة ثورية تروم الثورة على واقع عربي تتسلط عليه أنظمة إقليمية تحميها مؤسسات عربية ودولية، داعيا الوحدويين من الشباب العربي إلى تحمل مسؤوليتهم.
لكنه كلف سرا عددا من المفكرين العرب من بينهم المرحوم أحمد بهاء الدين بضرورة وضع مشروع ميثاق عربي يكون وثيقة فكرية يلتقي حولها مناضلو الحركة العربية الواحدة وعهد إلى الأجهزة الأمنية (لأنه لا يمتلك غيرها) أن تبدأ سرا في إنشاء هذه الحركة التي عرفت لاحقا بإسم الطليعة العربية .
وكان منتظرا أن يكون عام 1972 موعدا تكون فيه الوثيقة الفكرية جاهزة ويتفرغ عبد الناصر لقيادة الطليعة العربية بعد تخليه عن الرئاسة.
في مثل هذه الظروف التي تمر بها حركة النضال القومي ودعوة قيادتها إلى ضرورة إنجاز الأداة القومية الملائمة، كان للدكتور عصمت سيف الدولة- الذي خصّ الثورة منذ إنطلاقتها بالدراسات العلمية التي تعمل على إخراجها من مآزقها النظرية وخوض المعارك الفكرية الشرسة ضد القوى السياسية التي تشكك في تقدمية أهدافها أو السعي إلى إحتوائها، يشجعهم في ذلك إفتقاد قادتها إلى النظرية الثورية الواضحة - موقف نقدي من بعض الأساليب المقترحة لبناء الحركة العربية الواحدة إذ حذر الشباب العربي من الإنجرار وراء أسلوب الصفوة الذي يجعل مصير الحركة مرتهنا لمواقف من جعلوا أنفسهم نواة يلتحق بها المناضلون فتقوى الحركة وتضعف بمواقفهم إذ يجعلون أنفسهم في منأى عن كل نقد .
وحذر من ربط نشأة هذه الحركة بالأجهزة الأمنية التي قد تكون أساليبها ناجعة في حماية الدولة والنظام لكنها لا يمكن أن تنجح في تأسيس حركة مناضلة تتطلب علاقة أفرادها قدرا من الثقة المتبادلة ومن الديمقراطية الداخلية وهو ما يتناقض مع أساليب المخابرات التي تعتمد التجنيد والإغراء والترهيب والجوسسة وغيرها من الأساليب التي تحوّل المناضلين إلى مخبرين .
فكان أن وجه نص بيان صحبة محمد الخير من الإقليم الشمالي إلى الشباب العربي خارج مصر بعيدا عن أعين المخابرات المصرية مقترحا عليهم أسلوبا أطلق عليه أسلوب الإعداد ضمنه خطة للإلتزام بها والشروع في هذه المهمة إستعدادا لليوم الموعود ليكون تنظيمهم جاهزا.
تلك هي الظروف التاريخية التي ظهر فيها نص البيان في منتصف عقد الستينات لحل المشكلات التي تواجه المشروع النهضوي القومي بعد إنفصال الإقليم الشمالي وتعثر إعادة الجمهورية العربية المتحدة وإستجابة لنداء قائد النضال القومي.
فما معنى الإعداد وما هي الخطة الواردة في نص البيان لإنجاز هذه المهمة؟
ينص البيان على ضرورة قيام تنظيم إنتقالي لمدة محدودة تكون مهمته إعداد القاعدة الجماهيرية اللازمة لولادة الطليعة العربية، ولتكون البداية سليمة لابد من تكوين قاعدتها الجماهيرية حتى ينبثق منها التنظيم خلال مدة محددة…. بحيث أنه في نهاية المرحلة الإنتقالية تكون قد تحققت قاعدة من الجماهير الواعية بالفكر الطليعي المدربة والمفرزة خلال العمل العقائدي والنضالي خلال فترة الإعداد وفي نهاية تلك الفترة يمكن أن يتكون من أصلب عناصرها القيادية مؤتمر قومي تنبثق عنه الطليعة العربية تنظيما قوميا (1).
هذا هو معنى الإعداد كما ورد في نص البيان مشروط بمدة زمنية محددة.
فما هي الخطة المقترحة لانجاز هذه المهمة؟
مهمة التنظيم الانتقالي إعداد الطليعة العربية وهي مهمة مؤقتة إذ ليس من مهامه القيادة السياسية والنضالية للجماهير العربية لأن تلك مهمة الطليعة العربية عندما توجد، وإنما المهمة الأساسية هي إكمال وتعميق ونشر الفكر العقائدي وتثبيته في أذهان الجماهير على الوجه الذي يحقق قاعدة فكرية واحدة تجمعها. وستتاح خلال هذه المرحلة الفرصة كاملة لاختبار هذا الفكر الطليعي ومدى قدرته على تحقيق الوحدة الفكرية .
فهذا التنظيم مهمته إعدادية مؤقتة فهو تنظيم للوعي الفكري والتوعية، غايته تحقيق الوحدة الفكرية في أعرض قاعدة جماهيرية وليس من مهامه أعباء النضال السياسي بل معاركه كلها ستكون بصفة أساسية متجهة إلى طرد كل فكر مناهض للفكر الطليعي وتثبيته في كل مكان… وإن إعداد هذه الوحدة الفكرية مهمة ثورية من الدرجة الأولى وتفرغ التنظيم المؤقت لها ولمدة محدودة لازم موضوعيا.
وأن يكون هذا التنظيم المؤقت تنظيما فكريا بصفة أساسية بمعنى أن تكون معركته وساحة نضاله موجهة لانتصار الفكر الطليعي وهزيمة الأفكار المضادة….. وخلق الوحدة الفكرية بالدراسة والتوعية… ومن خلال النضال السياسي والاجتماعي الذي يقوم به الأنصار كل في موضعه أي أن تكون الممارسة النضالية وسيلة لاغتناء وتصحيح وتدعيم الفكر الطليعي وطريقا لنشره هو الهدف المرحلي المحدد للتنظيم الانتقالي. بينما تكون مهمة الطليعة العربية المنبثقة من هذا الإعداد الاستفادة من الوحدة الفكرية لتحقيق الممارسة النضالية . وسيحتاج التنظيم الإنتقالي إلى كل الوعي الثوري للتركيز على هذه المهمة الجوهرية الأولى وعدم الإستجابة للإستفزازات التي تأتي من جانب الأفراد والأحداث. ولهذا سيتعرض الأنصار لضغوط نفسية هائلة إما داخلية تحت عامل الطموح إلى المساهمة الإيجابية في تنظيم معلن ومتميز ماديا أو خارجيا بما قد يسند إليهم من سلبية وأكاديمية…. وتعتبر هذه المرحلة من المهمات الثقيلة التي لابد من إنجازها بنجاح للتغلب على تلك الضغوط النفسية والمثابرة على إنجاز الهدف المرحلي بدون تغيير طوال مدة الإعداد المؤقت والصمود في مواجهة تلك الضغوط النفسية والتغلب عليها…… ويدخل التدريب على هذا الصمود في مهام التوعية والإعداد .
ويحرّض على النضال في صلب التنظيمات الوحدوية حتى لا يخلق فراغا في انتظار تكوين التنظيم القومي.
ويؤكد أن لابد من أن يتم كل هذا بدون مساعدة دولة مصر وخصوصا أجهزتها الأمنية وفي نفس الوقت دون السقوط في العمل بشكل يتناقض مع قيادة القاهرة أو حتى مجرد الوقوف إزائها موقفا سلبيا إذ لا بد أن تكون قيادة عبد الناصر جزءا من التنظيم الذي يجري الإعداد له (2) .
هذه إذن الخطة المقترحة والأهداف المرتقبة منها والمهام المطلوب من الأنصار إنجازها خلال هذه المدة المؤقتة والمحددة.
وهي تمكين عدد معين من الشباب العربي الوحدوي آنذاك بفضل المناخ القومي الذي فرضته القيادة الناصرية من الإلتقاء حول وثيقة فكرية يلتزمون بها ويحتكمون إليها إستعدادا لعقد مؤتمر تأسيسي للإعلان عن ميلاد الحركة العربية الواحدة التي ستأخذ في الإعتبار أن يكون عبد الناصر جزءا منها وهو الذي يستعد للتفرغ لها سنة 1972 .
فالمهمة الإعدادية كانت صراع مع الزمن إستعدادا لهذا اليوم الموعود في وقت تجري فيه محاولة أخرى تقودها أجهزة المخابرات المصرية.
لكن عديد التطورات حدثت خلال هذه المدة إذ ألقت هزيمة1967 بظلالها على القيادة الناصرية وحمّلتها أعباء جديدة لإزالة آثار العدوان وإندلاع معركة أيلول الأسود في الأردن والجهود التي بذلها عبد الناصر لإيقاف ذبح المقاومة الفلسطينية…. وقد كان لكل هذه الأحداث الجسام تأثيرها على قلب عبد الناصر المنهك أصلا، فكانت الشهادة والإلتحاق بالرفيق الأعلى…. وتمكن الخط الإقليمي من الإنقلاب على الثورة وأهدافها القومية والإجهاز على الجيوب المقاومة لهذا الإنقلاب والتي كانت محاكمة عصمت سيف الدولة وبضع من رفاق دربه بتهمة إنشاء تنظيم قومي يهدف إلى إسقاط الأنظمة العربية أحد مظاهر هذا الإجهاز.
لقد تضافرت كل هذه التطورات لتضع حدا لما تم الإعداد له: إستشهاد القائد والإنقلاب على الخط القومي في مصر ومحاكمة رموزه.
فتركت المهمة في يد الشباب العربي وعليه تحمل المسؤولية .
وقد كان للجهود الفكرية التي كتبها الدكتور عصمت سيف الدولة طيلة سنوات الثورة دفاعا عنها وتأصيلا لمبادئها أن رأت النور في صياغة نهائية محكمة منطلقات وغايات وأسلوب وفق منهج علمي في محاولة جبّارة لتأصيل ميثاق العمل الوطني وتحويله إلى نظرية للثورة العربية لتكون الوثيقة الفكرية التي يلتقي حولها أنصار الطليعة العربية ويلتزمون بها ويحتكمون إليها عند الإختلاف.
لكن أحداث الردة والإنقلاب على أهداف الثورة حولت طريقها إلى النشر في بيروت(3)، فتلقفها الشباب العربي وأصبح لها تلاميذها الذين إمتدوا في أغلب الأقطار العربية مهتدين بنص البيان أسلوبا في الإعداد البشري. مما جعلهم يمثلون مدرسة في النضال القومي متميزة في الفكر والممارسة عن غيرهم من أطياف الحركة القومية بمن فيهم من إتخذوا من التجربة الناصرية مرجعا لهم: إذ إختلفوا عنهم في الإقرار بكون الأساليب والوسائل والأدوات التي خذلت عبد الناصر حيّا وانقلبت عليه غائبا لا يمكن أن تكون صالحة بعد غيابه وهو ما بات واضحا طيلة السنوات المريرة التي إنقضت بعد غيابه (4).
فكان أن تميزوا برفع شعار الثورة العربية مرتبا وفق صيغة حرية وحدة إشتراكية إقرارا منهم بفشل النهج الإقليمي أسلوبا في حل مشاكل الشعب العربي وإشباع حاجاته المادية والثقافية، وفشل النهج الإقليمي أسلوبا في إنجاز الوحدة العربية، وفشل النهج الإقليمي أسلوبا في إنشاء الحركة العربية الواحدة التي يعتبرونها الأسلوب العلمي الوحيد الملائم لانجاز مشروع التحديث العربي المتمثل في دولة العرب الواحدة الديمقراطية الاشتراكية، وإقرارهم كون إنشاء هذه الحركة يتطلب مرحلة إعدادية تجنّب الشباب العربي الفشل الذي أفضت إليه أساليب الأجهزة الأمنية التي تحول المناضلين إلى مخبرين وأسلوب الصفوة الذي يجعل الحركة رهينة أهواء مؤسسيها .
بوصلتهم في ذلك مدى قدرتهم على الإجابة عن سؤال ما هي الخطوات العملية التي يجب إنجازها لإنشاء التنظيم القومي دون أن يكون جبهة ودون أن تنتقل إليه رواسب الشللية ودون أن يحدث فراغ بين ما هو كائن وما يجب أن يكون ودون أن يكون تنظيم أحد بعينه أو مجموعة بعينها أو أية دولة، ليكون تنظيم الأمة العربية .
وبعد مرور حوالي أربعة عقود على إنطلاق العمل وفق هذا الأسلوب أصبح لأنصار هذه الحركة إمتدادهم الجماهيري الواسع في أغلب الأقطار العربية ورموزهم ومحطاتهم النضالية ومواقفهم المميزة لهم.
لكن إعتماد هذه الخطة الواردة في نص البيان طوال هذه المدة خلقت إلى جانب مكاسبها حالة من الإرباك والتململ في صفوف هؤلاء الأنصار حول جدوى مواصلة العمل بها، (سيقتصر مثالنا على ساحة تونس). إذ حدث إختلاف في الآراء منذ تسعينات القرن الماضي وتحول إلى خلاف بين قائل بضرورة المساهمة الإيجابية في تنظيم معلن ومتميز ماديا وبين قائل بضرورة مواصلة التركيز على المهمة التي ندبوا لها أنفسهم وعدم الإستجابة إلى الإستفزازات بإعتبار أن مرحلة الإعداد لم تستوف جميع مهامها.
فكان أن صب أفراد الفريق الذي إختار الإلتحاق “بحزب وحدوي” جام غضبهم على من إختاروا مواصلة العمل وفق الأسلوب الذي تم إعتماده منذ الإنطلاق معتبرين ذلك من قبيل الشحن النظري والغرف المغلقة والكهوف النظرية والجمود والتكلس، دون أن يكلفوا أنفسهم عناء تأصيل خيارهم الجديد حتى لا يظهروا في مظهر الخارج عن الثوابت. خصوصا وأن عناصر هذا الفريق هم من فرض العمل بهذا الأسلوب وإحتكر نص البيان تحت دعاوي خطورته الأمنية وعمّموا مضمونه شفويا وسلم لهم الجميع بذلك، لينقلبوا لاحقا على ما ساهموا في إرسائه ويكيلون للمتمسكين به شتى نعوت التحقير! واللجوء إلى حزب هم أول من يقرّ أنه أنشئ خصيصا للإجهاز عليهم! وعدم بذل أي جهد لتحويل تجربتهم الجديدة إلى نقطة ضوء جاذبة تغري بالالتحاق بهم. مما جعل تلامذتهم يرون فيهم ذئابا تأكل فضلات السباع بعد أن كانوا يحسبونهم أسودا تأوي إليها الجياع، وأنهم مرّوا بهم على جيف الأحزاب، وأنهم سقطوا في فخ الديمقراطية المحكومة عوض النضال من أجل فرض الديمقراطية الحاكمة، إذ انشغلوا بنيل نصيبهم من غنائم المكاسب السياسية الشخصية، والاكتفاء بإغراق الحزب وصحيفته بشعارات وحدوية والركون إلى فتوى التنويت، وتحويل فعل المعارضة إلى مكتب دراسات يقدم الأفكار التي لا يعرفها الحزب الحاكم ويقدم الدراسات التي لا يستطيع القيام بها، والحذر من الخروج عن حدود المجال المسموح لهم به، فكان دورهم معاضدا أكثر منه معارضا، منحرفين بذلك عن دور الأحزاب المعارضة ….
إلا أن الأغلبية التي رفضت هذه القسمة الضيزى التي فرضها عليهم هذا الفريق وإعتبارها الحل الوحيد الممكن، واصلت العمل وفق الأسلوب القديم وإن كان بشكل متعثر فرضه الواقع الموضوعي آنذاك. إنبثق عنها بعد مرور عقد من الزمان رأي يدعو إلى العمل السياسي العلني، والإستعداد إلى النضال من أجل خوض معركة “الشرعية القانونية” وتحمل التضحيات مهرا لذلك، بعيدا عن أطر الأجهزة التي إبتلعت من إختاروا الإلتحاق بها، التي عوض أن يحوّلوها إلى منابر نضال إنحرفت بهم نحو الصراع من أجل المغانم والمكاسب الشخصية والإكتفاء بإغراق الحزب بالشعارات الوحدوية وتقديم النصائح للحزب الحاكم.
لكن هذه المبادرة الجديدة رغم نضالية عناصرها وحركيتهم الميدانية اللافتة لم تحض بإتفاق الأغلبية التي رفضت مبادرة التسعينات. إذ رفضها العديد وخاصة الجيل الجديد وإعتبروها إنحرافا عن الخط الإستراتيجي الذي يستلزم مواصلة مهمة الإعداد وإعتبار كل محاولة للتنظم العلني سقوط في الإقليمية مهما كانت الشعارات التي يرفعها أصحابها وإعتبارها فاشلة سلفا. وإحتد الإختلاف وتحوّل إلى خلاف وصل إلى حدّ التلاسن في المنابر الإعلامية غذاها إستعداد مناضلي هذه المبادرة إلى خلط الأوراق وإعتبار نظرية الثورة العربية مجرد جهد فكري كغيرها من المحاولات التي يستأنسون بها واعتبار أزمة التيار جزء من الأزمة التنظيمية التي يعانيها التيار الناصري العام يتطلب حلها العمل مع بقية الخليط الناصري من أجل صياغة وثيقة فكرية يلتقون عليها! ممّا أظهرهم في مظهر المرتد إلى مرحلة التجريب والخروج عن المدرسة التي تحتكم إلى نظرية الثورة العربية، خصوصا وأن بعض من يتصدرون الحديث بإسم هذه المبادرة يبالغون في التهكم والسخرية والتجريح لمن ظلوا أوفياء لنظرية الثورة العربية مرجعا ويتهمونهم بالجبن والجمود، في حين يردّ عليهم هؤلاء بالإرتداد نحو التجريب والركون إلى العلمانية وإستيراد الفتنة والسقوط في الإقليمية، ممّا جعل من هذه المبادرة الجديدة التي يروم أصحابها أن تكون حلا لحالة الإنسداد التاريخي التي آل إليها التيار القومي التقدمي تتحوّل بدورها إلى جزء من المشكل الذي جاءت لحله فبقي مطروحا، مما جعل الإتهامات تطال الجميع والخلاف يحتدّ.
إلا أنه رغم كل الغبار الذي يحجب الرؤية ظلت عديد الأصوات تحاول تشخيص المشكل للوقوف على أسبابه بعيدا عن ركوب ظهر نظرية المؤامرة القصير. وأمكن لنا رصد عديد المواقف التي يجمع أصحابها على أن أسّ المشكل هو أسلوب الإعداد: فمن قائل أنه أسلوب تاريخي عفا عليه الزمن ولابد من تجاوزه، إلى قائل أنه أسلوب علمي مازال صالحا للعمل به باعتباره حصّن الشباب العربي من الإعلان عن تنظيمات تولد ميتة في أحيان كثيرة، إلى قائل نعم للإعداد لكن كيف وأنه لابد من تحيينه ، إلى قائل ماذا أعددنا حتى ننتقل إلى الخطوات الموالية؟ إلى باحث عن الحل خارج أدبيات وتجربة هذه المدرسة والإرتماء في أجهزة معادية أو العودة إلى منهج التجريب.
وسط هذه المواقف المختلفة والمتباعدة كان لابد من تبين الأشكال النضالية والمواقف التي طبعت السلوك السياسي للملتزمين بنص هذا البيان الأمر الذي جلب عليهم كل هذا التهجم والغمز واللمز ممن أسسوا للعمل بهذا الأسلوب، والذي يدفع كل مرة بفريق إلى الكفر به والإرتماء في أحضان تجارب مجهولة النتائج.
إن العودة إلى مواقف دعاة التمسك بالخطة الواردة في نص البيان لتنفيذ مهمة الإعداد يمكن حصرها في رفض كل أشكال التنظم العلني وإعتباره سقوطا في الإقليمية ومتعارضا مع شكل التنظم المنتظر المفتوحة عضويته لكل عربي وغير الخاضعة فروعه للحدود الإقليمية. وحصر المهام النضالية في العمل الميداني في إطار الإلتقاء مع أطراف أخرى لإنجاز مهمات معينة دون تحمل مسؤوليتها باسم تيار سياسي محدد وإنما يتحمل مسؤوليتها الأنصار بصفتهم أفرادا.
لكنهم يرتبكون كلما طرح موضوع العمل العلني بإعتبار أن الخطة التي يلتزمون بها لا تسعف بإجابة واضحة في ذلك، لأنها أصلا خطة للعمل السري، ولأن العمل العلني يفترض التنظم وهم يرفضون ذلك بإعتباره سقوط في الإقليمية. ولأن من شروط العمل العلني إعتماد إستراتيجية النضال الديمقراطي وهو ما يخيفهم من السقوط في النهج الإصلاحي.
وهنا نطرح بعض الأسئلة: هل أن السرية في العمل جزء من العقيدة والثوابت النظرية أم تخضع للظروف والمتغيرات؟ وهل هي صمّام أمان للحفاظ على الصفة القومية والنهج الثوري؟ وهل أن التنظّم الإنتقالي العلني يعني السقوط في الإقليمية والإصلاحية؟ ما هو الفرق بين شكل التنظم الإعدادي السري ونظيره الإعدادي العلني؟ هل أن إخراجه للعلنية معناه السقوط في الإقليمية؟ هل ينحصر الإهتمام الرئيس للإعداديين اليوم في التفرغ للإعداد الفكري لبناء الحركة العربية الواحدة وترحيل النضال السياسي إلى ما بعد إنشاء أداتهم التنظيمية كما هو منصوص عليه في الخطة الواردة في نص البيان؟
وإن كان لا، فما هي المهام المناطة بعهدتهم في الدفاع عن الجماهير في وجه القهر الإقتصادي والسياسي الذي يعيشونه في ظل الأسر الإقليمي؟ وما هي الأطر التي يقترحونها منابر لهذا النضال؟ هل تكفي المنظمات الجماهيرية التي لا تتحمل إنجاز مهام تتجاوز طابعها الثقافي والنقابي والاجتماعي أم أن ذلك يتطلب أداة سياسية إنتقالية تفي بطبيعة المعارك السياسية الواجب خوضها كفرض الديمقراطية وحراستها مثلا؟ هل أن الإيمان والإقتناع بقصور الدولة الإقليمية عن أن تكون أداة لإشباع الحاجات المادية والثقافية لشعوبها معناه أن يمتنع القوميون التقدميون في كل دولة عربية عن محاسبة حكامها، باعتبار أن المشكل في الإقليمية وليس في الحكام؟ وهو ما يعني تماما تبرئة هؤلاء الحكام وترك الشعب العربي في تلك الدول تحت رحمة القوى الإقليمية الرجعية؟ هل لأنّ الدولة الإقليمية إطار فاشل يحرّم على القوميين التقدميين أن يبنوا فيها أي بناء لصالح الجماهير ولصالح دولة الوحدة؟
ماذا نقول للمرضى والجوعى والمعطلين عن العمل؟ هل نقول لهم صبرا آل يعرب إن موعدكم الوحدة؟ هل نطلب منهم أن يكثروا من الدعاء في صلواتهم للتسريع بظهور الحركة العربية الواحدة التي ستثأر لهم من الإقليميين المجرمين؟ وهل أن القوميين التقدميين محصورة أدوارهم في ما تمّ رسمه في الخطة الواردة في نص البيان لا يعتدونها إلى حين إستكمال مهام مرحلة الإعداد وعقد مؤتمرهم التأسيسي ليأخذ النضال بعد ذلك شكله ومضامينه السياسية حتى ولو طالت مدة الإعداد وتجاوزت الأربعين سنة؟ ألا يخاف المطمئنون إلى العمل بهذه الخطة أنه سيخرج عليهم فريق آخر كلما طالت المدة مثلما حدث في بداية التسعينات من القرن الماضي و مثلما حدث في بداية الألفية الثالثة؟ ألا تعتبر طمأنة النفس بعبارة “أنهم مش فاهمين النظرية والأسلوب” مخادعة للذات؟
نطرح هذه الأسئلة ونواصل التحليل.
ألم يخلط أنصار هذا الفهم لنص البيان بين أطروحة الإعداد أسلوبا علميا صارما يحصّن أنصار الطليعة من الإعلان عن ميلاد تنظيمات فاشلة وبين خطة الإعداد الواردة في نص البيان والتي كانت خطة مؤقتة ومحدودة بسقف زمني تم تحديده بسنة 1972 وحالت ظروف قاهرة موضوعية وذاتية دون أن تعطي ثمارها وانتهت بانتهاء تلك الشروط وبقيت مقولة الإعداد أسلوبا علميا صالحا لكن من الضروري رسم خطة جديدة؟ مما يجعل الإعداد من الثوابت والخطة من المتغيرات. ومما يجعل المسألة لا تطرح بالتمرد كما فعل البعض ولا تطرح بالإطمئنان الساذج لمن فهموا نص البيان فهما سكولاستيكيا سطحيا أفضى بنا إلى حالة من الإنسداد التاريخي.
إعداديون نعم لكن كيف؟ وهو ما أسميه رسم خطة جديدة للإعداد، فهو من الثوابت والخطة من المتغيرات التي لا تعيش خارج العمر الإفتراضي المرسوم لها. فهل يعقل أن يظل التركيز على التكوين الفكري لمدة تفوق الأربعين سنة؟وأن يكون النضال الميداني مشتتا لا يتحمل الأنصار مسؤوليته بصفتهم السياسية وحصره في مسؤوليتهم الفردية؟ أليس هذا فهما مشوها لأسلوب الإعداد عبر تمديد إحدى خططه المحددة بسقف عشر سنوات للعمل بها كل هذه المدة؟
فهل يعقل أن يظل تيار سياسي منحصرة مهامه في التركيز على التكوين النظري لأنصاره لمدة تفوق أربعين سنة، ألا يعتبر هذا إنتحارا سياسيا؟
إن العودة إلى كل ما كتب عصمت سيف الدولة يسعف بالخروج من الحالة التي أفرزها العمل بخطة خارج العمر الافتراضي المرسوم لها. بل لعل العمل بها في تونس إنطلق بعد إنتهاء صلاحيتها!
إذ تفطن سيف الدولة إلى كون مقولة “إن الإقليمية عاجزة عن حل مشاكل الشعب العربي التي لا حل لها إلا الوحدة العربية” أصبحت مهربا يلتجئ إليه عديد المناضلين الوحدويين حتى لا يواجهوا مخاطر النضال الشعبي بين الجماهير في كل إقليم، فكتب خطة جديدة ترسم مهام أنصار الطليعة في واقعهم الإقليمي المترافقة مع عملهم الدؤوب من أجل الإعداد البشري لبناء أداتهم التنظيمية مؤكدا أن كل المشكلات قومية لكنها من حيث هي قومية منثورة في مواقعها على الأرض العربية وبين جماهيرها وأنه حيث تكون المشكلة يكون القومي التقدمي…. وأن كل المشكلات قومية وليس ثمة مشكلات قطرية حتى يزعم أي عربي ثوري أنه لا يريد أن يشغل نفسه بالنضال من أجل حل المشكلات القطرية لأنه قومي فيترك جماهير أمته يعانون القهر السياسي والاقتصادي لينظمّ إلى تجمّع الذين حولوا الثورة العربية إلى كلمات….. (5)
وردت هذه الخطة في دراسة منشورة بمجلة المستقبل العربي عــــــــدد60 شهر فيفري لسنة 1984 بعنوان “الديمقراطية والوحدة العربية” أغنى فيها نظرية الثورة العربية بإضافة نوعية حول أساليب نضال القوميين التقدميين لإنشاء أداتهم التنظيمية وبناء دولة الوحدة ورسم فيها مهام نضالية ينجزونها في ظل الواقع الإقليمي مترافقة مع مهمة الإعداد لبناء أداتهم التنظيمية. إذ يقول: “في الدول الإقليمية يمكن أن يقوم نظام ديمقراطي، إنه ممكن حتى في لجنة أو في حزب…حينئذ تكون غيبة الوحدة إنتقاصا في كفاءة الأداء وليست مبررا للإستبداد، وإذا كف الحكام والحكومات عن الخلط بين آمالهم القومية وبين إمكانياتهم الإقليمية فليس صعبا على الصدق أن يتفهّم الشعب العربي في كل بلد أن الحياة لن تتوقف حتى تتم الوحدة العربية وأن عليه أن يطوّر مجتمعه في حدود الممكن دون أن يتوقف إلى أن يتحقق ما يجب أن يكون...” (6) معتبرا أن مهمة القوميين التقدميين تتمثل في النضال من أجل “فرض الديمقراطية في الدول الإقليمية وحراستها وترك الشعب العربي يكتشف بنفسه من خلال الممارسة أن مشكلات تطوره وتقدمه قومية موضوعية، فيكتشف بنفسه من خلال الفشل ذاته أن حلها الصحيح لن يتحقق إلا في ظل دولة الوحدة، وأن يتجه إليها مبتدأ من واقعه فيحققها في ذاته أو بالإلتحام مع الشعب العربي في البلدان الأخرى ومساندته في فرض الديمقراطية. وتجسيد هذا الإلتحام في منظمات ونقابات قومية، الإنتماء إليها مفتوح لكل عربي بصرف النظر عن هويته الإقليمية… وبناء حزبه القومي الذي يقود الشعب الوحدوي في كل الأقطار في مواجهة كل الدول إلى أن “يلغي” دولتين على الأقل فيقيم دولة الوحدة النواة، ثم - وهذا على أكبر قدر من الأهمية- يزحف وحدويا ولا يتوقف مهما طال الزمان إلى أن تتحقق دولة الوحدة العربية… ديمقراطيا؟ نعم ديمقراطيا إذ الديمقراطية هي أسلوب الشعب وغير متوقفة على الدولة ومؤسساتها… أما إلغاء الدولة الإقليمية لحساب دولة الوحدة النواة أو الشاملة فهذا متروك لحكامها وما إذا كانوا سيخضعون لإرادة الشعب أم يقاومونه، إن خضعوا فلا مشكلة وإن قاوموا فهي الثورة من أجل إسترداد الديمقراطية طريقا سلميا إلى الوحدة العربية… أما كيف يقدم القوميون المناضلون من أجل الوحدة إلى الشعب العربي ما يثبت صدق وعدهم بأن دولة الوحدة ستكون ديمقراطية، فهذا ليس بالوعود والأيمان المغلظة، لكن بالممارسة الفعلية بأن يكونوا هم أنفسهم ومنظماتهم وتنظيمهم منذ البداية وخلال المسيرة حتى النهاية ديمقراطيين بينهم ومناضلين من أجل الديمقراطية وحراسا لها ومدافعين عن الشعب العربي ضد الإستبداد الإقليمي في كل دولة…بغير هذا لن يصدّقهم الشعب العربي ولو كانوا صادقين ربما لفرط ما أخلف غيرهم وعده “(7).
ففرض الديمقراطية والاشتراكية في الدول الإقليمية يخلق أفضل الظروف لتحقيق الوحدة العربية بما يوفرانه من مقدرة على الحركة للنضال الوحدوي، فهي إذن مهمات إيجابية للثوريين العرب تضعهم وجها لوجه أمام كل أنواع القهر والإستبداد التي تعاني منها الجماهير في الدول الإقليمية وفي قلب التجزئة ذاتها… ولا بد من أن يكونوا في هذا على مستوى مسؤوليتهم ليكونوا ثوريين حقا أي ليظلوا على الطريق إلى الوحدة العربية… كل هذا والدول الإقليمية قائمة تحرر وديمقراطية واشتراكية في قلب التجزئة(8). كيف ذلك؟
من الممكن إلى ما يجب أن يكون فالدول الإقليمية إمكان ناقص لكنه إمكان متاح ويكون من الغباء إسقاطه من حساب الثورة العربية كأداة تحقق فيها وبها غايتها المرحلية… إذ أنه من الغباء إنكار أو تجاهل أن لدول التجزئة إمكانيات متاحة وإن كانت ناقصة لتحقيق التحرر والاشتراكية… إن هذا يعني إمكان ووجوب أن يناضل الثوريون العرب في كل دولة لوضعها في مواجهة المعسكر الانتهازي الرجعي ولوضع قدميها على طريق الاشتراكية العربية لأن الحياة لن تتوقف إلى أن تتم الوحدة وليس الطريق إلى الوحدة العربية مقصورا على الإدانة السلبية للإقليمية وليست مسؤولية أنصار الطليعة مقصورة على أن يحلموا بالوحدة بل مهمتهم أن يحققوها وأن يضيفوا كل يوم لبنة وحدوية بدلا من لبنة إقليمية يقتلعونها وهذا يحتم عليهم أن تكون قضايا التحرر والديمقراطية والاشتراكية داخل دول التجزئة قضاياهم فهم أولى بها بحكم ولائهم لأمتهم العربية…تكتيك ثوري من أجل الوحدة العربية وفي الطريق إليها وإن نسي القوميون التقدميون هلكوا. وأن يستفيد القوميون التقدميون من الدولة الإقليمية لشق طريقهم إلى الوحدة العربية وذلك إلى أقصى حد ممكن، والممكن هنا ليس تحقيق الوحدة العربية فقد رأينا أن ذلك طريق مسدود، ولكن الممكن هو إضعاف الإقليمية وتحرير الجماهير العربية من القيود..وليس ثمة حصر يمكن أن يحيط بأوجه الاستفادة من دول التجزئة في إضعاف الإقليمية..ويخلخل فعلا كثافتها في الدول العربية..على أن يظل القوميون العرب محتفظين بمنطلقهم القومي إلى غايتهم القومية: الوحدة العربية(9).
فالأكيد أن دولة الوحدة لن تقوم بضربة واحدة فهذه أوهام، وإنما تقوم دولة الوحدة الإشتراكية الديمقراطية كخاتمة لنضال القوميين في ظل التجزئة في ساحات متفرقة ضد قوى متباينة من أجل غايات جزئية ومرحلية لا حصر لها… كلها مهما يكن مضمونها ومهما تكن ضآلة أثرها خطوات على الطريق إلى الغاية العظيمة…ومن أعمق هذه الخطوات أثرا إنتزاع سلطة الدولة من أيدي الإقليميين الرجعيين وإستخدام قواها في إنجاز مزيد من الخطوات على الطريق إلى دولة الوحدة… إستخدامها فيما هي قادرة عليه وما هي أداة مناسبة لتحقيقه: إضعاف الآثار الاجتماعية للعزلة التي فرضتها التجزئة على الشعب العربي على مستوى الانتقال والعمل والثقافة والتعاون مع الدول العربية الأخرى على كل ما من شأنه إذابة رواسب الغربة على المستوى الفكري ومستوى الممارسة. أما في الداخل فثمة المجال الأوّلي والمرحلي لترجمة النظرية القومية إلى واقع حي بقدر ما تطيق الدولة الإقليمية ولكن بكل ما تطيق: تحرير الشعب العربي فيها من كافة أشكال القهر السياسي والاقتصادي المفروضة عليه وتحريره من سيطرة الفكر المعادي للقومية والوحدة وفرض سيطرة الشعب العربي على وسائل الإنتاج… وحمايته من الدكتاتورية والبيروقراطية بإقامة أكبر إمكانيات الممارسة الديمقراطية للشعب فلا قيود على المعرفة ولا قيود على الرأي ولا قيود على العمل الجماعي… ثم يبقى أخطرها جميعا لأنه هو الذي سيحسم السباق الرهيب بين النظرية القومية التي يلتزمون بها وهم في مواقع السلطة وبين الممارسة الإقليمية التي يبنون بها دولهم ماديا وثقافيا: إباحة وحماية وتشجيع ودعم بناء الحركة العربية الواحدة التي تتحمل وحدها مسؤولية مواجهة العوائق الدستورية والدولية طوال مسيرة النضال القومي(10).
ترى هل يلتزم أنصار الطليعة بهذه الخطة الجديدة للوفاء بتنفيذ المهمات النضالية في الواقع الإقليمي إلى جانب سعيهم لبناء أداتهم التنظيمية أم يواصلون العمل بخطة رسمت للعمل بها لمدة عشر سنوات فتم تمديدها إلى ما يفوق الأربعين سنة. ماذا سيقولون للجماهير العربية؟ هل سيقولون لهم صبرا آل يعرب إن موعدكم دولة الوحدة؟
وإن التزموا بالمهام النضالية التي ترسمها الخطة الجديدة هل سيترتب على ذلك القطع مع إعتبار السرية أحد أركان الثوابت النظرية والنضال من أجل إكساب الوضعية الانتقالية الإعدادية “الشرعية القانونية” حتى تتلاءم مع طبيعة المهام والأساليب النضالية الجديدة كفرض الديمقراطية وحراستها وإعتمادها أسلوبا وحيدا لتحقيق الوحدة العربية أم يواصلون العمل وفق خطة إنتهت صلاحيتها؟
إن كل من لم يكن إلتزامه العقائدي ممهورا بالإلتزام بإنجاز مهام فرض الديمقراطية وحراستها في الواقع الإقليمي لا يستحق بأي حال شرف الإنتماء إلى صفوف الأنصار الذين سيكونون كوادر ومناضلي الحركة العربية الواحدة المرتقبة، فهذه الحركة ما لم يكن مناضلوها في مرحلة الإعداد قد دفعوا ضريبة النضال المنحاز إلى فرض الديمقراطية في ظل الواقع الإقليمي لن تكون قادرة على إنجاز مهامها إذ لا يمكن لمن عاش عمره كاملا متفرغا للتكوين الفكري مرحّلا إلتزامه العيني تجاه الجماهير إلى ما بعد إنشاء هذه الحركة أن يتحول إلى مناضل باسل إثر ذلك، وإنما العكس هو الصحيح من عاش عمره كاملا مناضلا لفرض الديمقراطية وحراستها في الواقع الإقليمي سيكون وأمثاله من يجعلون من الحركة العربية الواحدة قوة تزلزل الإقليميين.
أما من تحولت غيبة الحركة العربية الواحدة بالنسبة إليهم كغيبة الإمام أو المهدي المنتظر الذي سيملأ الأرض عدلا فور عودته، أو كمن عدلوا عن الجهاد إنتظارا لعودة الخلافة وتولي الخليفة أمر الدعوة إليه، فهم لا يستحقون شرف الإنتماء لهذه الحركة فهذا منطق إرجاء والمدافعون عنه هم أقرب إلى حزب التحرير منهم إلى القوميين التقدميين، والله أعلم.
هذه إذن محاولة لقراءة أسلوب الإعداد الوارد في نص البيان وتنزيله في سياقه التاريخي وتخليصه من خطة رسمت لمدة محددة ومؤقتة فشلت لأسباب موضوعية قاهرة وبقي الإعداد أسلوبا علميا محتاجا إلى خطة جديدة لإنجازه مترافقا مع مهام نضالية في الواقع الإقليمي، وهو ما ورد في الدراسة التي كتبت في بداية الثمانينات. أما لماذا تم السكوت عنها وتمديد العمل بخطة قديمة، فهذا ما سيكون موضوع الجزء الثاني من هذه الورقة التي سنخصصها لنشأة التيار القومي التقدمي في تونس والتطورات التي عرفها خلال مسيرته وما حققته من إنجازات وما خلفته من أزمات، إسهاما منا في دفع الحوار للخروج من حالة الانسداد التاريخي التي آل إليها.
و لله الأمر من قبل و من بعد.
المراجع:
(1) + (2) عصمت سيف الدولة : بيان طارق ، موقع أنصار الطليعة.
(3) عصمت سيف الدولة : عن الناصريين واليهم، موقع أنصار الطليعة.
(4) حبيب عيسى : على بساط الثلاثاء ، موقع أنصار الطليعة.
(5) عصمت سيف الدولة : حوار مع الشباب العربي ص283 -284
(6) + (7) عصمت سيف الدولة : “الديموقراطية والوحدة العربية” مجلة المستقبل العربي عدد1984
بيروت، ص 111 - 112 .
(8) + (9) عصمت سيف الدولة : نظرية الثورة العربية ج6 ص108- 112 .
(10) عصمت سيف الدولة : نظرية الثورة العربية ج5 ص 74- 77.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : الأسلوب | السمات:الأسلوب
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

































ديسمبر 23rd, 2008 at 23 ديسمبر 2008 11:13 ص
تحية قومية تقدمية
مجهود رائع أخ لمين و جرأة في تشخيص الداء رائع جدا.
أمر للتعليق: ٌقلت أخي
“والنضال من أجل إكساب الوضعية الانتقالية الإعدادية “الشرعية القانونية”
أخي لأمين هل ترى أن النضال من أجل الشرعية القانونية ذو جدوى خاصة على أساس الفصل السادس من قانون الأحزاب:
” لا يتكون حزب سياسي إلا إذا في مبادئه و إختياراته و برامج عمله ما يختلف عن مبادئ و إختيارات و برامج عمل أي حزب من الأحزاب المعترف بها قانونيا” الفصل 6 من قانون الأحزاب
و في ظل وجود جهاز المخابرات الإتحاد الديمقراطي الوحدوي و النية المبيتة من تأسيسه.
ٌقلت و الكلام على لسان الدكتور
“في الدول الإقليمية يمكن أن يقوم نظام ديمقراطي، إنه ممكن حتى في لجنة أو في حزب”.
من وجهة نظري من الممكن أن يكون شكل التنظم علني نعم و بيافطة نعم وفق أطر إعدادية نعم لكن دون الدخول في معركة خاسرة. و كيفية الإنتشار تكون داخل المنظمات الجماهيرية الموجودة في الواقع كما قال الدكتور “حتى في حزب أو في لجنة” . و تجنب معركة خاسرة سيستند فيها النظام للفصل السادس من قانون الأحزاب.
في نظري نقطة مهمة.
تحياتي الصادقة
من أخيكم محب الوطن
أين أنتم أيها الإخوة ؟ أين تعليقاتكم ؟ الموضوع قيم جدا و مهم علينا أن نواصل تقريب وجهات النظر.
ديسمبر 24th, 2008 at 24 ديسمبر 2008 12:56 م
السلام عليكم أخي محب
بداية أشكرك على حسن إدارتك للحوار بشكل متمدن ومسؤول مما وضع حدا لمثيري الغبار من المجاهيل، كما أشكرك على التفاعل الايجابي مع ما ورد في الورقة المقدمة. أما عن تساؤلك حول تعارض موضوع إكساب الحالة الإعدادية الانتقالية الاعتراف القانوني مع ما ورد في الفصل السادس من قانون الأحزاب الذي يؤكد على ضرورة تمايز برامج الأحزاب عن بعضها البعض والحال أن المشهد السياسي يضم جهاز الاتحاد الديموقراطي الوحدوي. أقول لك:
- الايجابي أخي أن الحوار انتقل من دائرة الحديث عن اعتبار العمل العلني المنظم هو بوابة انحراف نحو الإقليمية وركون إلى النهج الإصلاحي في النضال، إلى الحديث عن الصعوبات والعراقيل التي تقف في وجه هذا المحور النضالي، وهذا مؤشر جيد في تقدم الحوار وحلحلة الموقف.
أما عن مسألة التشابه في برامج الأحزاب إن وجد، فهذا مشكل السلطة وليس مناضلي المعارضة، لأنه لو نظرنا إلى الموضوع من هذه الزاوية لانسحب مناضلو حزب العمال الشيوعي وحزب العمل الوطني والحزب الاشتراكي اليساري وعدلوا عن النضال من أجل إكساب أحزابهم الشرعية القانونية لتشابه برامجها في نظر السلطة ولوجود حزب التجديد(الشيوعي سابقا) إطارا يمثل الطيف الشيوعي!!
ومسألة التشابه هذه التي يتضمنها هذا القانون الذي أشرت اليه يحيلنا واضعوه على البدعة التي إبتدعها سنغور حاكم السينغال السابق عندما أقر أنه مهما تعددت الإتجاهات السياسية فهي إما يمين أ وسط أو يسار وأن لابد من حصرها في ثلاثة أحزاب فقط!!
لذلك أخي محب فالموضوع لا يطرح من هذه الزاوية، وإنما ينظر إليه من زاوية نضال المعارضة من أجل تنقيح هذه المجلة التي تم تفصيلها بشكل يقصي التعبيرات السياسية التي تعبر عن وجهة نظر في إدارة الشأن العام لها عمق شعبي، وليست مجرد دكاكين سياسية تم تفقسيها في محاضن الإدارة ليس لها من وظيفة سوى منح السلطة علامة الإيزو الديموقراطي بغير وجه حق. (وهو محور نضالي يقع في قلب معركة فرض الديموقراطية وحراستها).
كذلك فهذا الموضوع لا يطرح من زاوية الربح والخسارة، وإنما ينظر إليه من زاوية هل هو محور نضالي ومعركة عادلة أم لا؟ فيكون النضال وتقديم التضحيات مهر يدفعه المناضلون في سبيل ذلك. أما التعويل على موافقة السلطة فلن يمكنك حتى من ترخيص لفتح دكان لبيع النخالة!!
والشعوب لا تستحق الديموقراطية ما لم تدفع ثمنها نضالا وتضحيات.
أما موضوع أن تكون الحالة الإعدادية الإنتقالية علنية دون النضال من أجل إكسابها الإعتراف القانوني والإستعاضة عن ذلك بإتخاذ المنظمات الجماهيرية(النقابات والجمعيات الحقوقية والثقافية….)، أقول لك إن هذه الأطر لا تكفي لان طبيعتها كمنظمات جماهيرية لا تتحمل إنجاز مهام تتجاوز طبيعتها ومهامها. فضلا عن أن تكون منابر لمحاور نضالية خطية. فمهمة فرض الديموقراطية وحراستها محور نضالي سياسي يتطلب أدوات نضالية سياسية.
أما عن قول الدكتور سيف الدولة “…إن الديموقراطية ممكنة حتى في حزب أو لجنة…”، فلا ادري كيف فهمت منها الدعوة إلى العمل في الأحزاب الأخرى!! فالرجل يقول: إن الديموقراطية ممكنة حتى في حزب أو لجنة، ردا على أصحاب الفهم السكولاستيكي لمقولة إن الديموقراطية غير ممكنة إلا في دولة الوحدة لتبرير إستبدادهم أو تقاعسهم عن مقارعة الإستبداد الإقليمي. فقال: …أما عن أثر غيبة دولة الوحدة على الديموقراطية في الدول الإقليمية فهي أن غيبة دولة الوحدة تمثل نقصا في كفاءة الديموقراطية كأسلوب لحل المشكلات الإجتماعية(التطور) في كل دولة إقليمية على حده وفيها جميعا دون إستثناء…. إنه نقص في السيادة وفي الديموقراطية جميعا…
كذلك فان التأكيد على أهمية وضرورة النضال من أجل إكساب الحالة الانتقالية الإعدادية الاعتراف القانوني فذلك لكي تتلاءم وطبيعة المهام المنوطة بعهدتها، فالنضال من اجل فرض الديموقراطية وحراستها يتطلب أداة سياسية علنية يناضل أصحابها من اجل إكسابها الاعتراف القانوني، لأن من يركن إلى العمل السري اختيارا فهذا يعني انه غير معني بهذا المحور النضالي لأنه ثوري!!!
والفعل الثوري وفق جدل الإنسان ليست دوما اللجوء إلى العنف.
ديسمبر 24th, 2008 at 24 ديسمبر 2008 1:53 م
بسم الله الرحمان الرحيم
ان ما كتبه الاخ لمين بوعزيزي من تاصيل نظري لمشكلة الاعداد ليس جديدا ولا غريبا عن القوميين في كل الوطن العربي فهو يمثل ذلك التذكير بما صاغه عصمت سيف الدولة في نظرية الثورة العربية وفي غيرها من كتاباته.لا شك في ان ذلك يمثل اللفاء والاحتكام عند الاختلاف في الممارسة.
لكن المشكل في فهم الاعداد كعملية سياسية في الواقع حسب المعطيات القطرية وليس المرجعية النظرية للقوميين التقدميين في تونس.لذلك الدعوة ملحة الى عدم الارتماء في التجريد البعيد عن الفعل الواقعي الحركي كما يفعل الكثير وابدا ليس هذا الحال او المطلوب بالنسبة لنا.
الكثير منا يدعم ويعلق ويشجع ويصطف المهم ان يجد-هذا من النظرية-
المهم والواجب توضيحه وليس ابدا عبر هذه المدونة هو طبيعة الممارسة الواقعية حسب المسموح به في هذا لقطر التونسي وما هي..المساحات التي وجب التحرك فيها او من خلالها او خلقها في الواقع الاقليمي حتى تخدم القضية التي يناضل الناس من اجلها.
ان التعامل مع الاحزاب والجمعيات والمنظمات واجب قطري كما هو واجب قومي شرط قدرة الناس من الداخل او من الخارج.فكيف يمكن ان نجعل هذا لاطار يسمح او لا يسمح تلك هي المسالة كاملة.
ايها الاخوة الكرام .العودة الى التاصيل النظري مطلوبة لكنها لن تقدم لنا ماذا يجب ان نقوم به في واقع مكبل بكل اشكال الظلم والعراقيل.
ليس ابدا ما اقوله دعوة الى الارتجال والتجربة والخطا والليبرالية القاتلة كما قد يفهم البعض
بل فيه التاكيد الواضح المباشر الى الالتزام بالعمل النظري مصحوبا حتما بمهمات واقعية تترجم ما نؤمن به الى ملموس بالنسبة الى رجل الشارع العادي الذي يتهمنا بالمثالية السلبية البعيدة عن الواقع.
ان البعض وللاسف بمجرد الحديث معهم عن الواقع العملي التطبيقي يتهمك بالابتعاد عن النظرية فذلك اما يكون ضعفا في فهم النظرية وما دعت اليه او حجبا لقصر النظر السياسي
او عدم استيعاب للتجربة الناصرية ككل.
حتما سيقول البعض لك ان تحدد لنا ما العمل. حتما لن يكون ذلك عبر هذه المدونة بل بالالتحاق الجاد بالواقع السياسي في هذا القطر.
ان تخلق ممرات نقابية وسياسية وجمعياتية يتطلب الامر الكثير من الذكاء والحذر والالتزام
مما يجعل الكثير يفر الى التهمة الحاضرة-هذا مخل ببيان طارق او الاحتكام الى سيف الدولة-.
الدعوة الى الالتقاء المباشر هو الحل .التقوا ايها الاخوة واقطعوا مع الحديث في المدونات الذي لا يقدم سوى مساحة لنثر الورود لهذا او لذاك.
ديسمبر 25th, 2008 at 25 ديسمبر 2008 10:26 ص
واجب الاجتهاد
إن ما قام به الأخ الأمين هو محاولة جادة لقراءة بيان طارق قراءة جديدة فصل فيها بين أسلوب الإعداد كمرحلة لا مندوحة عنها تهيئ لتأسيس الحزب القومي وبين الخطط اللازمة لهذا الإعداد وهي خطط متغيرة ، بما يعني أن الخطة الأولى التي وردت في بيان طارق أصبحت من الماضي كما قال الأخ حبيب عيسى فهي خطة أخذت في الاعتبار أن يكون عبد الناصر رحمه الله جزءا منها .
شخصيا أعتبرها اجتهاد جاد لم يخرج عن الثوابت ويشجع على الإقدام على العمل السياسي العلني المنظم دون خوف من الانحراف .
كذلك أعتبرها استجابة للتوصيات التي وردت في الوثيقة المرجعية التي كتبها الأخ فتحي بالحاج بعنوان القوميون والدور المطلوب في تونس لتي يدعو فيها الأجيال الجديدة من القوميين إلى الاجتهاد وابتكار أساليب نضالية جديدة، إذ يقول:
هناك مؤشرات عدة تبين أن التيار القومي جدد في أساليب عمله وتجاوز العديد من أخطاء التي صاحبت تجربته. إن هذه الظاهرة التي بدأت تكتسح الحقل السياسي في تونس تعتبر أكبر إعتراف لتضحيات الأجيال السابقة من القوى الوحدوية في تونس. إن القوة الوحدوية من القوى السياسية المهمة والفاعلة في البلاد بالرغم من العوامل العديدة التي عملت على تهميشها وإقصائها من الساحة السياسية………
إن البديل القومي بديل خصب وثري ومنفتح وعقلاني يرفض الإنغلاق والتحجر يتفاعل مع الواقع القطري فلا ينكر التشوهات التي أحدثتها سياسات القوى القطرية في الواقع القومي العربي، بل يعمل على تغييرها وإعادة الأشياء إلى طبيعتها.
من قلب هذا الواقع الإقليمي الآسن يسعى القوميون إلى صياغة الحياة مع ما يتماشى مع الهدف القومي وبما يساهم في حل مشكلات التنمية والتخلف. وهذا يتطلب جهدا مضاعف من قبل القوميين وتقديم إضافات جديدة للعمل الوحدوي إنها مسؤولية الجيل الجديد لبذل المزيد من الجهد الفكري والبحث العلمي والمعرفي من أجل تنمية وحدوية تقدمية………
المهام التي نرى أنها مناطة بعهدة القوميين وتمثل الدور المطلوب منهم في هذه المرحلة بالذات من أجل المساهمة في بناء نظام ديمقراطي متجذّر في محيطه العربي، يساهم بكل ما يملك من إمكانيات في تحقيق وحدة الأمة العربية على أسس ديمقراطية وفي تحرير أرضها من قوى الظلم والعدوان.هذا لا يتحقق إلا من خلال العمل مع باقي مكوّنات المجتمع السياسي على بناء نظام سياسي ديمقراطي يستمد فيه السلطة السياسية مشروعيتها من الشعب ليس باعتباره جمهوراً أو رعية وإنما بإعتباره صاحب السلطة الفعلية ويمارس سلطته عبر نظام ديمقراطي سليم يفرز أجهزة حكم وسلطات منتخبة عبر صندوق الإقتراع وعلى قاعدة المساواة بين جميع المواطنين. عماد هذا النظام الديمقراطي هو فرض حقوق متساوية للمواطنين في تشكيل مؤسساتهم الحزبية والإجتماعية دون وصاية من فئة أو حزب أو فريق ودون حجب عن فئة أو حزب أو فريق. وإلغاء الإحتكار لقيادة الدولة والمجتمع لأي حزب أو فريق. وتكريس مبدأ الإحتكام الدوري لصندوق الإقتراع، فأغلبية الصندوق، بعد إنتخابات تنافسية حرة متكافئة، هو المعيار الأحقية في إدارة الشؤون العامة. مع ضمان حق الأقلية في ممارسة دورها النقدي والدعائي والتوعوي والإستقطابي لمشروعها ونهجها. إن هذه الآلية في إدارة شؤون القطر ترتكز على جملة من المضامين السياسية والإجتماعية يعمل القوميون على ترسيخها وتجميع أكبر عدد من القوى السياسية والتيارات الفكرية حولها…..
العمل على تعزيز التضامن العربي الرسمي والشعبي، وتدعيم وتفعيل كافة مؤسسات العمل الشعبي القومي من إتحادات مهنية ونقابية ومؤتمرات بما في ذلك جامعة الدول العربية وذلك بتعزيز مؤسساتها وتعديل ميثاقها بما يضمن دورا أساسيا للجماهير العربية في صياغة قراراتها وما يكفل فعالية أكبر لها……..
إن هذه المبادئ العامة مثلها مثل جميع الأهداف والبرامج والغايات الأخرى، لا يمكن أن تتحقق بدون العمل من أجلها، وإيجاد الآليات والسبل القادرة على وضعها قيد التطبيق
وبالرغم من كل المعوقات فإن القوميين يصرّون على الحوار وعلى تبني أساليب الإصلاح الديمقراطي السلمي فهم يرفضون العنف ويحتكمون في حركتهم وأساليب عملهم إلى الجماهير صاحبة المصلحة في التغيير الديمقراطي. ذلك أن ضعف التقاليد الديمقراطية، في الوطن العربي لا يعني جر الوطن إلى المجهول بل هذه الوضعية تدفع القوميين إلى التمسك أكثر بنبذ العنف، ورفض إستخدامه في العمل السياسي. والإصرار على الإحتكام إلى الشعب والتمسك بمبدأ الحوار بين جميع التيارات السياسية. هذا يعني أن دور القوميين هو خلق فعاليات ضغط مجتمعي سلمية، تستخدم أساليب الإحتجاج الحضارية، وذلك عبر التواصل المباشر مع الجماهير، ومع القوى السياسية الأخرى ليفرضوا تغييرا في أنماط سلوك بعض القوى التي تفننت في إستخدام أسلوب التكفير والإقصاء، من أجل دفعها إلى نبذ العنف وتبني أساليب العمل الديمقراطي بإعتماد الحوار بين جميع القوى والفئات الإجتماعية والسياسية. إن الحوار الذي يدعو إليه القوميون يجب أن يكون مفتوحا لكل القوى السياسية بعيدا على أسلوب الإقصاء والتغييب والتهميش……
كذلك أعتبر أن الاخ الامين قد قدم قراءة نقدية لتجربة الاخوة الذين التحقوا بحزب الاتحاد الديموقراطي الوحدوي أظهر فيها قصورهم الفكري عن تأصيل تجربتهم داخل الفكر القومي التقدمي مما جعلهم معزولين ولم يلتحق بهم إلا الانتهازيين، وأظهر فيها فشل هؤلاء الإخوة في تحويل تجربتهم إلى إضافة نوعية في المشهد السياسي المعارض في البلاد.
أرجو أن يعقب هذا الحوار تقارب في المواقف لأنه قطع الطريق أمام كل مزايد بالوفاء للنظرية في وجه التحريفيين أو المزايدين بالنضال الميداني في وجه الجامدين مما شتت جهود مناضلي هذا التيار.
نوفمبر 14th, 2009 at 14 نوفمبر 2009 2:17 م
السلام عليكم
عفوا فاني لم أكتب شيأ منذ أكثر من 15 سنة مقصرا في حق هذه الامة.
بداية نشكر لأخينا لمين هذه المحاولة لتلخيص الاختلاف التاريخي الذي وقع في صفوف التيار القومي العربي وهو في أوجه عطائه وان كان المشكل هو نتيجة غياب الخبرة السياسية اللازمة للسيطرة على المد القومي العربي الذي اكتسح الساحة في تونس آنذاك مما أعطى الفرصة للتطلعات القيادية كي تحاول توجيه هذا المد الى غايات اقليمية أو أحيانا شخصية تتناقض مع الاسس الفكرية التي تبناها حاملو نظرية الثورة العربية وأهمها “أن الغايات القومية لا تتحقق الا بأداة قومية” تضبط تناغم الادوات المحلية اقليمية أو حتى جهوية على وتر استراتيجية قومية واحدة حتى تتكامل كعمليات تكتيكية تصب في خانة واحدة.
المهم
أن يقرأ بيان طارق من لم تشبع من جدل الانسان وفكر سيف الدولة فلا يفهمه. هذا ليس بغريب ولكن أن لا يفهمه من تشبع بهذا الفكر فهذا محل غرابة.
ما هو “مربط الفرس في بيان طارق”؟
التنظيم الاعدادي
وما هو التنظيم الاعدادي؟
هو تنظيم قومي-ومعنى قومي ليس بالضرورة أن أفراده موجودون في كل بقعة من الوطن العربي المهم أن أهدافه قومية شاملة ويحاول التطرق الى كل مشاكل الامة بما هو متاح فان لم يستطع فانه يحاول التواجد أينما تكون المشاكل القومية (اذ لا يعقل أن مشكلة نادي رياضي في احدى المدن يلزم أداة قومية لحلها) التنظيم القومي هو الاضافة الى الادواة الاقليمية والجهوية والمحلية لحل مشاكل هذه الامة. وأين تكمن الاضافة تكمن في أنه الوحيد الذي يمكن له أن يجعل من الانجازات لبنات في البناء الثوري العربي لأنه يغذيها بالانجازات المتناثرة في باقي الوطن العربي فيجعلهم بناءا واحدا ذي أساس واحد وسقف واحد.
التنظيم القومي الاعدادي هو اضافة لهذه الادوات الاقليمية والمحلية لأنه أيظا المتكفل الوحيد بظبط تناغم أنشطة المناضلين داخل هذه الأدوات على استراتيجية قومية واحدة فيجنبهم العمل الموازي والتصادم أحيانا,
مثال للتوضيح انجاز قناة بحر المانش كان بترسانة فرنسية من جهة وأخرى انجليزية من جهة أخرى وكان يمن أن تقع كوارث لو أنه لا يوجد قيادة موحدة لهذه العمليات اليومية مما كان ضمان لتكامل الجهود للوصول الى الهدف الواحد.
قضية السرية لا معنى لها لسبب بسيط. السرية ليست خاصية كلية بل جزئية بمعنى أينما تجب السرية تكون وأينما لا تجب لا تكون اذا السرية هي مسألة تكتيكية وليست استراتيجية على مستو كيفية عمل التنظيم الاعدادي.
المهم هو وجود التنظيم كضمان لتناسق الجهود في استراتيجية واحدة.
كما انه لا بد أن تفرز القوى فانه لابد أن تفرز الادواة.
التنظيم الاعداد يستعمل كل الادوات المتاحة لخوض المعارك حتى الاحزاب نفسها. دون أن يتحول الى اداة في يدها.
ثم تفرز هذه الادوات فيسقط منها ما يسقط كالاحزاب الاقليمية ويبقى ما يبقى مثل الاندية الفكرية مثلا..
التنظيم الاعداد يمكن أن يتلخص ان وجب الامر في قيادة قومية تؤطر مع زائد الشباب القومي المنخرط في الادوات الاقليمية تضبط تناغمأنشطتهم في اطار استراتيجي واحد. فتكون هذه الادوات ساحات تدريب وفرز للاطارات ولكن ليس بأسلوب مخابرات بل بأسلوب ديموقراطي يترك المجال للابداع مع تنميته وتهذيبه بالتوجيه ولما لا يترك المجال للتجربة حتى يتمكن المناضلون من تكوين تجربة ولكن مع حمايتهم من المنزلقات الاقليمية.
ليس هناك أوامر حزبية في التنظيم الاعدادي بل هناك تفاعل ديموقراطي.
والحديث طويل…لكن
لقد وضعت الادوات الاقليمية على الحك فأثبتت التجربة محدودية انجازاتها وأحيانا خيانتها للأمة ومشروعها القومي ولكن لم تعطى الفرصة للأدوات القومية وفي مقدمتها التنظيم الاعدادي فلماذا نصدر أحكاماظ ليست مشكلة المشروع أننا لم نستطع تحقيقه فهذا تقصير فينا.
خذو العبرة من الصهاينة الذين فعلو شيئا يشبه هذا لتأسيس دولتهم مع أن عملهم امتد لزمن طويل حتى جنو ثماره.
نعم تعلمو من أعدائكم الصهاينة كيف يتم الاعداد ولكن بالشكل الذييتناسب مع هذه الامة المسلمة.
لم أحب مارجعة ما كتبت لأانها خواطر من وحي اللحضة وستبقى…
والسلام عليكم