كتبهامحب الوطن العربي ، في 11 مارس 2009
الساعة: 22:30 م
أردنا التوضيح فتحي بالحاج
نشرت الآنسة فائزة العبدالله مقالا فيتونس نيوز في عدد 3191 بتاريخ 16 فيفري 2009 تحت عنوانهل نحن في دولة القانون والمؤسسات، فعلا ؟؟ تناولت فيه رفض النظام منح تصريح صحيفة بعنوان "الناصرية". وقد عبرت فيه عن تضامنها، وهو شعور نبيل لا يملك أي ديمقراطي إلآ أن يتضامن معها ومع صاحب المشروع. بغض النظر عن اختلاف التقييمات فإنه من غير المعقول أن تنتهك حرية النشر والتوزيع التي ضمنها دستور البلاد والتي هي من اسس حق المعرفة، ذلك أنه بانعدام هذا الحق يسقط ركن أساسي من أركان الجدل الاجتماعي. هذا موقف مبدئي نرى ضرورة توحيد الجهود لتثبيت هذا الحق، لكل إنسان مهما كانت توجهاته الفكرية أو السياسية.
لكن الملفت للانتباه هو الجزء الثاني من الحديث إذ حشرت في مقالها موقف د.عصمت سيف الدولة من الناصريين حشرا. وكأني بالكاتبة تريد أن تبرر موقفا، أو تعطي توضيحا، وهو ما لم تشر إليه الكاتبة، فأتى الجزء الثاني مسقطا. لكن طرح موقف عصمت سيف الدولة من الناصرية ومن الناصريين، يفترض الاشارة إلى موقف الناصريين مع تعددهم من د.عصمت سيف الدولة ومن اجتهاداته الفكرية، ومن التيار الفكري والسياسي الذي يحمل أفكاره، سواء تحت اسم التيار القومي التقدمي أو أنصار الطليعة العربية. أو الاعداد القومي. يعترف الجميع سواء من التيار القومي عامة وحتى من التيارات السياسية الأخرى وخاصة بعض التيارات الاسلامية بصوابية مواقفه وبعمق تحاليله، وبقدرته الهائلة على التنبأ بالأحداث فإن البعض ومنهم بعض الناصريين مازال يكابر. اشارت الكاتبة إلى وجه واحد للحقيقة. ذلك أنها غيبت جزءا لا يستهان به وهو طبيعة العلاقة التي حكمت الناصريين بعصمت سيف الدولة. وسر العداء الغير مفهوم لهذا المناضل الذي أعطى كثيرا لأفكار عبدالناصر. لا أريد الجدال هنا حول الأسباب الحقيقية في تغييب هذا الوجه الآخر. بل الذي يعنيني هو الاشارة السريعة لطبيعة هذه العلاقة. والتي أود أن أضعها أمام القارئ. أملين أن نعود إليها أكثر توسعا. لقد أعطى الدكتور عصمت سيف الدولة جهدا لا يستهان به من حياته في الدفاع على مبادئ عبدالناصر وهو الذي لم يلتقه، وأصّل الناصرية بعيدا عن أيات التهليل والتكبير الذي استعمله البعض، أصلها فكرا وممارسة من خلال دفاعه عن التجربة في مواجهة أعدائها، وأثراها بحثا ومعارف من خلال تأصيلها في مواجهة بعض الدراويش الذين لا يرون في الانتساب للناصرية إلا اسماء، وصور وبهرجة لفظية. أصلها بالاجتهاد الفكري الأصيل في مواجهة الذين لم يخرجوا بعد من حلقة إعادة نسخ الميثاق وخطب عبدالناصر. اصلها دفاعا عن جماهير عبد الناصر الذين عاشوا معه سنوات العزة والكرامة فخرجوا يتظاهرون في مواجهة سياسة الانفتاح في 18 و17 يناير فكانت مرافعته دفاعا عن الشعب، أصلها دفاعا عن الذين رفضوا سياسة الانبطاح، فجاءت أفكار عبد الناصر دفاعا على حق المقاومة، كان التأصيل دفاعا عن ثورة مصر، أصل أفكار عبدالناصر دفاعا ضد الباشوات، والمستغلين وأصحاب العمائم السود، المتحالفين مع البلاط الملكي الذين عادوا إلى مصر للانتقام منه ومن أفكاره. كان دفاعه عن العمال والفلاحين ضد تلك الطغمة البيروقراطية والفاسدة التي تحلقت حول عبد الناصر. فأجاب عن هل كان عبدالناصر دكتاتورا؟.
طيلة هذه المسيرة يتميز د.عصمت سيف الدولة عن الناصرين ، الذي كثيرا ما يسميهم الناصريون الرماديين، وفي اسئلتهم الاستفزازية التي كثيرا ما يوجهونه إليها هل أنت ناصري؟ يجيب لا، وكثيرا ما يردف الاجابة بسؤال أ أعطني عن أية ناصرية تتحدث لأجيب. وهو متميز في سلوكه السياسي والأخلاقي، وفي طبيعة الحدود والضوابط التي حددها لنفسه وللطلائع العربية وحكمت سلوكهم مع الآخرين. وهو سلوك العزة والأنفة والصرامة المعرفية والعلمية، والتمسك بالمبدأ والدفاع المستميت على الثوابت في مواجهة كل الرياح. وكنت نقلت شهادة صديقه فريد عبدالكريم في مقال سابق. ختم د. عصمت سيف الدولة مسيرة الدفاع عن عبدالناصر وأفكاره بعد دراسات عديدة عن ماهية الناصرية؟ ومن هم الناصريون؟ بذلك الكتاب القيم والذي قطع فيه بمالا يدع مجالا للشك:
"…أريد ان أقول ، بأكبر قدر من الوضوح ، انني كنت ولم أزل على يقين يتحدى أي شك بأن " الناصرية " هي " نظرية الثورة العربية " . وان الناصري هو من يقبلها ويلتزمها وينميها بخبرة ما انقضى من سنين الردة ولكن طبقاً لمنهجها . ومن منطلقاتها ، إلى غاياتها ، باسلوبها . وان من يناقضها منهجاً أو منطلقاً أو غاية أو اسلوباً لا يستحق عندي على أي وجه أن ينسب الى الناصرية ولن تثبت نسبته اليها ولو كانت بيده شهادة موقعة من عبد الناصر شخصياً…".
وبعد هذا الانتاج الفكري الغزير وهذا الدفاع المستميت عن أفكار وتجربة عبدالناصر. يحق للقارئ العربي أن يسأل ماذا كان موقف الذين يطلقون على أنفسهم الناصريين من عصمت سيف الدولة ومن اجتهاداته؟ وهو الموقف الذي تجنبته الكاتبة الكريمة. والذي نعتقد أنه من المفروض أن يتوضح درءا للشبهات، وبحثا عن الحقيقة. حتى لا تختلط والمفاهيم والشعارات. لأننا لم نفهم حشر اسم د.عصمت سيف الدولة في مثل هذا الموضوع. ولماذا عصمت سيف الدولة بالذات. ولا نعتقد أن السيد خالد الكريشي يحتاج إلى هذه الشهادة لتأكيد حقه المشروع كأي إنسان أخر أن يكتب وينشر الأفكار التي يراها صالحة للمجتمع.ست وعشرون سنة ( 1970 إلى سنة 1996) لقد كانت علاقة بعض الناصريين بالدكتور عصمت سيف الدولة من أغرب العلاقات ومن أعقدها. فبقدر ما استمات عصمت سيف الدولة في الدفاع عن عبدالناصر وفي تأصيل التجربة، بقدر مااستمات بعض الناصريين، في الدفاع عن تمسكهم ـ وهما ـ بختم الناصرية، يوزعون الألقاب على من يريدون ويخلعونها على من يريدون. وأبدعوا وابتدعوا كل الأساليب في محاصرة أفكاره، وسودوا "الكتب" والمناشير لا رغبة في الاجتهاد الفكري والسياسي بل من رغبة في المناقضة والمعارضة. ليس لي تفسيرا قاطعا لكن بعض ما تخفيه هذه المواقف هو الاختلاف والتناقض في السلوكيات والأخلاقيات. مما عرف به الدكتور عصمت سيف الدولة عدم التساهل في التمسك بضوابط الأخلاق السليمة أو كما يسميها أخلاقية الطليعي العربي، في حين لم يكن للآخرين أي ضوابط كانت الغاية تبرر الوسيلة، وسقط منهم كثيرين في التسلق وفي أحسن الأحوال في المراوحة بين صلاة مع علي وجلوس إلى مائدة معاوية. ففي حين عرف سيف الدولة بتمسكه الحديدي بأخلاقية المناضل, بالوضوح والمواقف القاطعة عرفت بعض القيادات الناصرية بالتساهل وبالتلاعب وبالاستثمار من الفكرة الناصرية.
وفي الجانب الثاني عرفت اجتهادات عصمت سيف الدولة بالجهد العلمي والمعرفي وبمقدرة على الانتاج المعرفي والابداع الفكري على قاعدة الالتزام بأفكار عبدالناصر فإن بعض القيادات الناصرية إكتفت بالآبداع في إعادة نسخ الميثاق وفلسفة الثورة. وإرتكنت إلى أدوارها السياسية في دولة عبدالناصر لاكتساب مشروعية داخل الحقل النضالي.لا أريد أن أعدد أواذكر أسماء لكن هذه مهمة الباحث القومي للتنقيب مستقبلا في هذه المرحلة للكشف عن الحقيقة. ليس الهدف مما نكتب إحياء أحقاد الماضي بل تنبيه القوميين التقدميين إلى مخاطر إعادة هذه الأخطاء، الهدف منها تجاوزها في المستقبل. إن المطلع على كل المقالات التي كتبها بعضهم في الأيام الأولى لرحيل د.عصمت سيف الدولة تكشف عما موسو وجاء بعضها ندما وتحسرا لأنهم لم يفهموا هذا المفكر العبقري ولأنهم كانوا يعارضونه لمجرد المعارضة، وأن هذا كان مضيعة للأمة.. لئن اكتشف هذه الحقيقة البعض، فإن آخرين ازدادوا ايغالا في المواقف المعادية. من هذا التيار الذي يحمل أفكاره. فمازالت تمنع تداول كتاباته داخل تنظيماتهم، ويلوحون بفتاوي التكفير. ويطردون من تنظيماتهم كل من يطرح أفكاره..لم تنتبه الآنسة فائزة العبدالله على ما أشار إليه د.عصمت حول المفارقة بين الناصرية (وهو هنا يقصد فهمه للناصرية) وبين مواقف بعض الناصريين فدعاهم على" وما على الناصريين إلا أن يدركوا حقيقة دورهم ويعملوا من اجله" ( هذا مقطع من الحديث الذي نقلت) وهو موقف يحتوي على تقييم للناصريين. ولم تشر الكاتبة إلى هذا الوجه الآخر من العلاقة. وهو موقف الناصريين من عصمت سيف الدولة. حتى يتمكن القارئ من تكوين صورة حقيقية على الموضوع. إضافة إلى هذا العداء الغير مفهوم والغير قابل للتفسير مازال ممتدا إلى هذه اللحظة. واحترقت بناره المدمرة القوى القومية التقدمية في العديد من المدن العربية وامتد لهيب الفتنة إلى المغتربين العرب في أوروبا. ذلك أن بعض الناصريين لم يتحرروا بعد من هذه العقدة التي ختمت على قلوبهم سوادا وجهلا غير مفهوم، فمازالوا يمارسون نفس العاداة السيئة. سأذكر حادثة أحد الكتاب "المرموقين" الناصريي جدّا.. جدّا.. لم يجد من الندوة التي أقامها مركز دراسات الوحدة العربية حول فكر عصمت سيف الدولة من بين كل المداخلات إلا مداخلة حسن حنفي لأنه تصور أن سيده حسن حنفي "مسك الأسد…"، ونسخها وراح يوزعا في كل مكان كما يوزع بيان سياسي، ولو وزعها بالتعقيبات لهان الأمر، (تعقيب حبيب عيسى ومحمد سيف الدولة). لكن أستاذنا وزعها بدون التعقيبات التي تلتها والتي كشفت القصور في قراءة صاحبها لذلك وددنا أن تذكر الأخت فائزة العبدالله الوجه الآخر لهذه العلاقة حتى يكون القارئ القومي التقدمي على بينة مما يجري ومما لاشك فيه يمكن تدوين مثل هذه الحوادث وهي ليست بحوادث عارضة بل هو تعبير عن خط عام. لكنها لم تعد موقف من عصمت سيف الدولة المفكر والانسان، رحمه الله وطيب ثراه، بل تجاوزه إلى التيار الفكري الذي يحمل أفكاره.. على امتداد الوطن العربي تيار فكري متميز اسمه التيار القومي التقدمي، يحاول بعضهم إقصاءه، ويساهم بعض الناكرين والمتنكرين حتى في تونس العربية عن وعي أو عن غير وعي في مثل هذه الممارسات. وهو مخطط سيكون مصيره كمصير المحاولات البائسة التي سبقته، لأن بعض الذين يعانون موجة الانقراض لن تسعفهم مثل هذه المحاولات…
وبما أن الكاتبة اشارت إلى سليمان الحكيم فلا بد هنا من ذكر ما وقع في الندوة الفكرية التي أقيمت على امتداد يومين في الذكرى العاشرة لوفاة المرحوم عصمت سيف الدولة، وكانت تحت عنوان "الفكر القومي التقدمي والمشكلات المعاصرة"، تغيب الناصريون كلهم ماعدا محمد يوسف، وجاء سليمان الحكيم ليلعب دور المهرج، ربما غاضه أن يجد الحضور كلهم من الشباب، وأغلب المحاضرين من الجيل الجديد. فبعد افتراءاته التي استحقت الازدراء، أجهد نفسه في التدليل على أن الفكر القومي التقدمي غير موجود أصلا، وليس له أي علاقة بالمستقبل.من حق الأخت فائزة أن تستنجد وأن تستشهد بأحاديث د.عصمت سيف الدولة ولكن نطلب منها الموضوعية وهو تقديم اللوحة من كل جوانبها حتى تضع القارئ الكريم وأساسا القومي التقدمي في حقيقة ما يجري. وحتى لا يتم توظيف ماقاله د.عصمت سيف الدولة في غير سياقه الفكري والتاريخي من بعض المغامرين والمفتقدين للنضج السياسي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات :
ردود |
أرسل الإدراج
|
دوّن الإدراج