في ذكرى رحيل عالم المستقبليات
الدكتور عصمت سيف الدولة
الأمين البوعزيزي٭
مضى قرن من الزمان على انطلاق الحركة القومية العربية مناضلة ضد حركة التتريك التي قادها الطورانيون الأتراك الذين حولوا الإمبراطورية العثمانية من دولة مشتركة بين المسلمين (دولة الخلافة) إلى إستعمار تركي بغيضيسخّر إمكانيات الأمة العربية لصالح الأتراك دون غيرهم من شركاء الدولة الواحدة. لكن القوى الاستعمارية الصاعدة آنذاك تتدخل للإلتفاف على نضالات هذا الجيل فتخرج تركيا من المعركة موحدة ويتم تقاسم الوطن العربي بين هذه القوى الاستعمارية فيما عرف باتفاقية سايكس ۔ بيكو.
مما جعل الجيل الثاني من القوميين العرب يخوض معارك التحرير مجزأ بعدد كيانات الهندسة الاستعمارية. ورغم ذلك فقد سطر المجاهدون ملاحم بطولية خلدتها الأجيال أشعارا وأغاني وأفلام مازالت راسخة في ذاكرة الجماهير العربية، من عز الدين القسّام إلى سعد زغلول إلى عمر المختار وخليفة بن عسكر والبشير بن سديرة ومصباح الجربوع وصولا إلى الأمير عبد القادر وعبد الكريم الخطابي وغيرهم من رموز وأبطال النضال ضد الغزاة المحتلين. وقد سار على دربهم قوافل من المجاهدين الذين عبّدوا طريق الحرية بأجسادهم الطاهرة.
لكن جني ثمرات التحرير اصطدم بمؤامرات جديدة: فهذه فلسطين تخرج من السيطرة الانجليزية ليتم تسليمها إلى أبشع أنواع الاستعمار الاستيطاني على يد الحركة الصهيونية التي تمثل أحد أشد العصابات إجراما وعنصرية، المدعومة من الغرب الرأسمالي والشيوعي على حد السواء!!
وهذه الكيانات التي هندستها القوى الاستعمارية يتم تقديمها على أساس أنها دول الاستقلال التي دفعت في سبيله أنهار من الدماء الزكية!!
مما جعل الجيل الثالث من القوميين العرب يبدأ معركة مقارعة هذه الكيانات الإقليمية، فكانت الوحدة المصرية السورية أولى انتصارات لهذا الجيل الثالث، لكن سرعان ما تم الإجهاز عليها. ليدخل المشروع القومي بعدها حالة من العسر للتحقق المادي، وما تحقق بعدها من الوحدة العربية إلا وحدة أجهزة الأمن والاستخبارات التي تحافظ على عقد مؤتمراتها وتنفذ توصياتها.
ولئن خرج القرن العشرين مخلفا وراءه سلسلة زلازل خلخلت ما تم إرساؤه من علاقات دولية خلاله، فمن زلزال الكرملين إلى زلزال البرجين كان العرب الخاسر الأكبر على الصعيد الدولي! فعوض تحرير فلسطين يضاف إليها زلزال الرافدين.
وحتى عبدة الدولة الإقليمية ممن ناصبوا المشروع القومي العداء واعتبروه طوباويا. يعجزون عن حماية ما هندسه الاستعمار من دويلات تتشظى وتتذرر كيانات عرقية وطائفية يراد لها أن تدور في فلك أنظمة إقليمية مفروضة من الخارج على شاكلة الشرق الأوسط الجديد والاتحاد المتوسطي يكون فيها للكيان الصهيوني اليد الطولى…
مما جعل الحركة القومية العربية تدخل القرن الجديد بحصاد مر، فمشروع الوحدة القومية لم يستطع أن يجد لنفسه سبيلا للتحقق، مضافا إليه فقدانها الكثير من هيبتها إذ أصبحت رديفة للقمع والقهر وكبت الحريات واضطهاد الأقليات منذ أن تسلط حكام إقليميون استخدموا الخطاب القومي للحفاظ على وجودهم في السلطة ولتجنب الهزات الشعبية، بقدر ما كان خطابهم قوميا بقدر ما كانت ممارساتهم مناهضة للعمل الوحدوي، معلقين إخفاقاتهم في ما ندبوا أنفسهم له على شماعة العدو الخارجي متناسين أن هذه العوامل الخارجية مهما عظمت واشتدت ما كان لها أن تظفر ببلوغ مقاصدها لو لم تتهيأ لها الأسباب والمقدمات في الداخل جرّاء الاستبداد والفساد الذي مارسوه واستندوا إليه للبقاء في سدة الحكم.
وسط هذا المناخ المهزوم يصمد الكثير من القوميين العرب ويجري في صفوفهم حراك فكري وسياسي عميق وتدور بينهم أسئلة كثيرة: لماذا فشلت مشاريع التوحيد القومي؟ هل لأن القوى الاجتماعية والسياسية التي حملت المشروع العربي القومي لم تكن في مستوى ما انتدبت له نفسها من مهام؟ هل إقترف القوميون العرب أخطاء فادحة حين وصلوا إلى السلطة؟ هل فشلوا في بناء الأداة المناسبة لإنجاز المشروع القومي؟ هل أخطؤوا في إعتماد الأشكال النضالية المناسبة؟
وسط هذا الحراك الفكري والسياسي يبرز المشروع الإنقاذي الذي طرحه الدكتور عصمت سيف الدولة - الذي يحيي تلاميذه وقراءه من الشباب العربي هذه الأيام الذكرى الثالثة عشرة لرحيله- على مدار أكثر من ثلاثين سنة، بذل فيه كل جهده لتشخيص مقاتل الحركة القومية العربية تشخيصا علميا صارما أبرز فيه أسباب كبوتها التي حالت دون تمكنها من انجاز ما ندبت نفسها له:
إذ نبّه بداية إلى أزمة المنهج التي جعلت الحركة تتخبط بين استنساخ تجارب أوروبية كتبت لغير هذا المكان أو الركون إلى ما أبدعه السلف لغير هذا الزمان أو السقوط في التلفيق.
كما نبّه إلى ضرورة النظرية الثورية لأية حركة ثورية تروم تغيير الواقع، نظرية تمكّن من تحديد مشكلات الواقع كما هي والحلول المناسبة لذلك والأداة النضالية الملائمة لإنجاز مشروعها.
كما نبّه إلى مشكلة الديمقراطية التي إعتبرها قانون تطور المجتمعات مما يجعلها ليست مجرد غاية مرتجاة للمستقبل العربي وإنما هي قبل ذلك الشكل الذي يحدد العلاقات الداخلية لأي تنظيم يندب نفسه لإنجاز المشروع القومي، وهي أيضا أحد أساليب الثورة العربية في النضال من أجل إنجاز المشروع القومي، كما اعتبر أن التجارب القومية التي حكمت أقطارا عربية أفشلها الإستبداد الذي مارسه حكامها أسلوبا في الحكم.
كما نبّه إلى ضرورة الإنتباه إلى العلاقة الوثيقة بين العروبة والإسلام والتي إعتبر بموجبها أن كل من يستبعد الإسلام نظاما للحياة يستدعي إستعداءه، معتبرا أن الطرح العلماني هو أحد مقاتل الحركة العربية القومية.
والمتأمل في مجمل الحراك الفكري والسياسي الذي يجري اليوم في صفوف القوميين ۔ من داع إلى الحوار القومي الإسلامي، إلى داع إلى دمقرطة الحركة القومية في أساليب نضالها وأساليب حكمها، إلى داع إلى ضرورة إعداد وثيقة فكرية يلتقي حولها الوحدويون العرب ويلتزمون بها۔ يلحظ أن مجمل ما تتم الدعوة إليه اليوم هو مجمل ما دعا له عصمت سيف الدولة في مشروعه الإنقاذي. ولئن وصلوا إليه اليوم بعد الخيبات والتجارب الفاشلة، في حين توصل له سيف الدولة بفضل صرامة المنهج العلمي الذي إعتمده مما جعله أحد أعظم علماء المستقبليات ليس في الشؤون العربية فقط، وإنما في السياسة الدولية: فقد حذر السوفييت منذ ستينات القرن العشرين من إنهيار دولتهم وسقوط نظامهم الاشتراكي ما داموا يقيمون نظاما سياسيا مستبدا يغيب الإنسان ويتجاهل قيادته لحركة التطور، وما داموا ينكرون العامل القومي ويعادونه. فكان أن مثّل هذين العاملين الحبل الذي شنق به الاتحاد السوفييتي نفسه. ويحذر الولايات المتحدة الأمريكية منذ تسعينات القرن الماضي من تجاهل حق الأمم في تقرير مصيرها داخلها أو في بقية أنحاء العالم معتبرا أن القرن الواحد والعشرين هو قرن إنتصار القوميات وينذرها أنها مقبلة على التشظي إلى دول متعددة، ومن يعش يرى…
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
٭باحث في الانثربولوجيا الثقافية والسياسية / تونس
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات :
ذكرى 13 لوفاة الدكتور |
أرسل الإدراج
|
دوّن الإدراج