كتبهامحب الوطن العربي ، في 1 مايو 2009
الساعة: 12:55 م
دولة الوحدة بين الفهم القوميّ والفهم الإقليميّ
بقلم: منتصر الطيّب
مازال القوميّون التقدميّون يعتقدون أنّ دولة الوحدة الديمقراطيّة الاشتراكيّة هي الحلّ لهذا الواقع العربيّ المأزوم وهم يتصوّرون أنّهم لم يدّخروا جهدا في سبيل تحقيق هذه الغاية ـ صادقين جادّين أحيانا وكاذبين على النفس أحيانا أخرى…ـ وهم يختلفون في أكثر من موقع حول فهمهم وتمثّلهم لهذه الغاية. وذلك لأنّ لكلّ غاية معيّنة أسلوبها المحدّد الذي لا ينطبق بالضرورة على تحقيق غاية أخرى. فالأسلوب الإقليميّ في العمل لا يمكن أن يؤدّي إلى تحقيق غاية قوميّة حتى وإن صدقت النوايا وزوّقت الشعارات ونمّقت الكلمات فإنّ " الغطاء القوميّ" يكشف عن أمرين لا ثالث لهما: فإمّا عن عدم وعي بالموقف وهو لعمري غباء سياسيّ في حاجة لتعميق الفهم وعقلنته، وإمّا عن وعي بالموقف وهو نفاق لهذه الجماهير العريضة ولهذه الأمّة التي طالت معاناتها وطال انتظارها.
فإذا ألغينا الاحتمال الأوّل على اعتبار أنّ مصائر الشعوب غير مرتهنة بأخطاء "الأبرياء" وجدنا أنفسنا أمام الاحتمال الثاني وهو أنّ هناك فئة واعية بما تقول جادّة فيما تسوقه من أفكار وهي لا تخفي غاياتها في بناء دولة الوحدة مركّزة هذه الغاية في شعار "حرية- اشتراكيّة- وحدة". قد يقول البعض وليكن الأمر كذلك فلا يضير أن يكون شعار القوميّين "حريّة- اشتراكيّة- وحدة" أو "حريّة- وحدة - اشتراكيّة" ما دمنا نرى للأمّة العربيّة الواحدة مستقبلا واحدا. و يضيف نفر آخر: لا بدّ أن نتجاوز الخلاف حول الشعارات إلى الوحدة حول المضامينفيكفي القوميّين ما ضيّعوه من جهد في خلافات و"معارك" داخليّة لو وجّهت نحو أعداء الأمّة لكان واقعنا العربيّ ـ حتما ـ أفضل ممّا هو عليه الآن. إنّ أصوات الصادقين قد تضيع في دهاليز التعميات الفكريّة وتتلاشى بين رنين الشعارات المبطنة. لذا كان لابدّ من الوقوف على ما وراء الكلمات من مضامين وما خلف الشعارات المرفوعة من أهداف معلنة وغير معلنة.
لنبدأ "بالحريّة" غايةً معلنةً من كلّ القوميّين التقدميّين يشتركون في ذلك مع كلّ أعداء ومناهضي الاستعمار والتبعية من جماهير الأمّة… إذ هي الشرط الأول لكل بناء بعدها. (انظر: عصمت سيف الدولة: نظريّة الثورة العربيّة، الأسلوب ص 115).
لكن ماذا بعد؟ الاشتراكية أم الوحدة؟
إنّ القول بالاشتراكية ثانيا يعني أنّ على الأقاليم المحرّرة بناء اشتراكيّاتها قبل الوحدة فتصبح بذلك مهمّة البناء الاشتراكيّ مهمّة إقليميّة بحتة وإن أنجزها قوميّون. إذ ليس أمامهم إلا بناء اشتراكيّة الإقليم المحرّر لا غير. وبما أنّ معركة البناء الاشتراكيّ معركة مستمرة لا نهاية لها، إذ هي حياة مفتوحة على المستقبل بلا حدود، فإنّ الوحدة ستبقى بذلك غاية مؤجّلة باستمرار… ستفتح للمنافقين والإقليميّين وكلّ أعداء الوحدة مجالا لتأجيل لا متناه للوحدة بدعوى عدم إتمام البناء الاشتراكيّ. هذا بالإضافة إلى أنّ هذا الترتيب يكشف عن فهم إقليميّ يعتبر أنّ الأصل الثابت هو التجزئة أمّا الوحدة فهي إضافة إلى الإقليم.
ماذا بقي عند هؤلاء من مبرّرات يقدّمونها ليقولوا إنّهم "قوميّون" إلاّ المبرّرات التي يقدّمها الإقليميّون عند حديثهم عن "ضرورة" الوحدة العربيّة. فما دامت الأداة هي "الحزب الإقليميّ" الذي سيحقّق الغايات القوميّة، وما دامت معركة البناء الاشتراكيّ لا متناهية في المستقبل، فلم يبق إلا أن يكفّوا عن خداع جماهير أمّتهم وخداع أنفسهم وأن يختاروا ما بين أمرين فإمّا "التوبة الفكريّة" وإمّا نزع "القشرة القوميّة" لتنكشف الخفايا الإقليميّة.
ذلك لأنّ الفهم القوميّ بسيط وواضح ومحدّد. يرى أنّ الأمّة كلّ لا يتجزّأ وإن قسّمت سياسيّا فهي أقاليم محتلّة، مغتصبة، متخلّفة… هذا هو الواقع القوميّ، وعليه "فالمنطق القوميّ يحدّد طريق النضال نحو المستقبل القوميّ" من واقع قوميّ بأداة قوميّة نحو غايات قوميّة لتصبح أمّة حرّة مطهّرة من الاحتلال والتبعيّة موحّدة سياسيّا موظّفة لكلّ إمكانيّاتها لصالح مواطنيها كلّ مواطنيها في نظام اشتراكيّ عربيّ. وعليه ففي شعار "حريّة، وحدة، اشتراكيّة" تركيز لغاية واحدة لا تنفصل ولا تفهم فهما ميكانيكيّا.
إذن فهذا الخلط والتداخل في رفع الشعار القوميّ ينمّ عن عدم تمثّل علميّ للغايات القوميّة كما قدمها الفكر القوميّ التقدميّ. لذا نرى أنّنا مضطرّون إلى التذكير بمعاني
الغايات الثلاثية "حرّيّة/ وحدة/ اشتراكيّة". وهذا ما نتطرّق إليه في حلقات قادمة إن شاء الله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات :
مقالات |
أرسل الإدراج
|
دوّن الإدراج