في ذكرى 28 سبتمبر: وتبقى الوحدةُ العربيّةُ هي الحلَّ…
كتبهامحب الوطن العربي ، في 30 سبتمبر 2009 الساعة: 20:21 م
في ذكرى 28 سبتمبر:
وتبقى الوحدةُ العربيّةُ هي الحلَّ…
تحيي جماهير الأمّة العربيّة يوم 28 سبتمبر ذكريات ثلاثًا هي جريمة فصل الإقليم الشماليّ من الجمهوريّة العربيّة المتّحدة عام 1961 واستشهاد القائد جمال عبد الناصر عام 1970 وتفجير انتفاضة الشعب العربيّ في فلسطين عام 2000. وإنّ هذه الذكريات الثلاث هي في الحقيقة ذكرى واحدة ثلاثيّة الأبعاد لأنّها مرتبطة بوحدة الوجود القوميّ للأمّة العربيّة، ولها من الدلالات المترابطة ما يؤكّد وحدة المصير العربيّ رغم كلّ المشكّكين الذين يحاربون من أجل تزييف هويّة هذه الأرض العربيّة الممتدّة من المحيط إلى الخليج. فما الذي حدث في أيّام 28 سبتمبر الثلاثة حتّى نعدّها ذكرى واحدة بوجوه ثلاثة؟
يوم 28 سبتمبر 1961 اغتصبت مجموعة من ضبّاط الجيش الانفصاليّين الإقليم الشماليّ (سوريا) من الجمهوريّة العربيّة المتّحدة، وذلك بعد تجربة وحدويّة استمرّت ثلاث سنوات بين مصر وسوريا. ولقد قامت جريمة الانفصال تلك على خداع للجماهير العربيّة. إذ قد صدرت بيانات في البداية تقول إنّ المسألة هي حركة \"تصحيحيّة\" وردّ على بعض الممارسات الخاطئة من حكومة الجمهوريّة العربيّة المتّحدة. لكن سرعان ما اتّضح أنّ كلّ ذلك كان امتصاصا لغضب الجماهير العربيّة التي هبّت إلى الشوارع دون إعلام مسبق أو إعداد أو برمجة. فقد كان ثابتا أنّ تلك الجماهير المتعطّشة للوحدة ما كانت لتسكت على سرقة أحلامها ومستقبلها الذي كان من صنعها. ولهذا التضارب بين الجماهير والانفصاليّين قامت صدامات دامية سقط أثناءها شهداء كثيرون. وقد بدأت الجماهير العربية في الإقليم الشماليّ تستعيد زمام المبادرة، وتحكم سيطرتها على الشارع من جديد، وتضغط لإعادة دولة الجمهورية العربيّة المتّحدة، وقد تفاقم ذلك الضغط الشعبيّ إلى درجة أن دولة الوحدة باتت قاب قوسين أو أدنى من التحقّق، وأنّ الانفصاليّين وجدوا أنفسهم أمام طريق مسدود فشهدت الأشهر الموالية أكثر من محاولة انقلاب عسكريّ لإعادة الوحدة، كما شهدت إضرابات ومظاهرات شبه يوميّة في مختلف أرجاء الإقليم، وبدأت أجهزة سلطة الانفصال تنهار أمام الضغط الشعبيّ الهائل، وبات من الثابت والمؤكّد أنّ تلك الجماهير الهادرة لا يمكن مواجهتها إلا بالأحكام العرفيّة، وقوانين الطوارئ، وأجهزة القمع، وأنّ استمرار تصاعد ذلك المدّ الجماهيريّ سيؤدّي من حيث النتيجة عاجلا أو آجلا إلى إعادة دولة الجمهورية العربيّة المتّحدة.. لولا.. لولا المجزرة التي شهدتها سوريا العربيّة والتي حسمت المعركة لصالح الإقليميّين الانفصاليّين. لكن هل توقّف المدّ الوحدويّ؟ قطعا لا. فقد استمرّت مطالبات الجماهير العربيّة – رغم المجزرة وإعلان حالة الطوارئ – بإعادة الوحدة مع مصر بل والاستمرار في العمل الوحدويّ العربيّ الشامل. وقد رفعت تلك الجماهير شعارا ذا دلالة واضحة على اختيارها الوحدة من جهة وعلى اختيارها القائد من جهة أخرى فقد كانت تردّد قائلة \"بدنا الوحدة باكر باكر، مع ها الأسمر عبد الناصر\". ولم تتوقّف تلك النداءات حتّى جاء الإعلان من إذاعة \"صوت العرب\" أنّ المحادثات قد انطلقت فعلا من أجل الوحدة الثلاثيّة بين الجمهور يّة العربيّة المتّحدة وسوريا والعراق.. لكن رغم الرغبات المعلنة من كلّ الأطراف في الوحدة فقد باءت المحادثات بالفشل. وإثر تلك المحادثات أعلن جمال عبد الناصر عن ضرورة قيام \"حركة عربيّة واحدة\" من أجل التحرّر والتوحيد والبناء الديمقراطيّ الاشتراكيّ. غير أنّ تلك الحركة - كما كان يراها عبد الناصر وكما أكّد هو نفسه- كان لابدّ لها من وحدة فكريّة عقائديّة توحّد الهدف وأسلوب تحقيقه.
ويجدر أن ننتبه إلى الأحداث الموالية من زاويتين. فمن جهة أولى كانت الأوضاع في الوطن العربيّ عامّة وفي كلّ إقليم على حدة تسير نحو الانهيار وذلك على إثر جريمة الانفصال وفشل محاولات استرجاع دولة الجمهوريّة العربيّة المتّحدة ممّا أدّى إلى صعود الخطاب الإقليميّ وانعكس ذلك على الجمهوريّة العربيّة المتحدة في إقليمها المتبقّي (مصر) في شكل رِهَانٍ رَاهِنٍ هو وحدة الصفّ بعد أن كان توحيد الهدف العربيّ وبناء الحركة العربيّة الواحدة.. المهمّ أنّ التصدّع الذي أصاب الجمهوريّة العربيّة المتّحدة قد أدّى إلى انهيار حتّى في الأقاليم التي لم تلتحق بالوحدة. فلينظر الشعب العربيّ إلى أيّ حدّ كانت الوحدة - والتي لم ترتق إلى الوحدة العربيّة الشاملة ورغم قصر عمرها – تمثّل حصنا منيعا حتّى للدول الإقليميّة نفسها. وبذلك فقط سوف نعرف مدى الجريمة التي يمثّلها الانفصال. ومن جهة ثانية عبّرت الجماهير العربيّة داخل الجمهوريّة العربيّة المتّحدة وخارجها عن تمسّكها بالوحدة غاية دونها أيّة غاية في ظلّ قيادة عبد الناصر، بوضوح، ثلاث مرّات. وقد كانت المرّة الأولى عند هبّتها رفضا لجريمة الانفصال والمرّة الثانية بعد هزي مة 5 جوان 1967 وتحديدا يومي 9 و10 جوان 1967 عندما خرجت ترفض الاستسلام وتؤكّد تمسّكها بقائدها التاريخيّ وبهدفها الوحدويّ والمرّة الثالثة عندما كانت يوم 28 سبتمبر 1970 تشيّع ذلك القائد الذي كان لها رمزا تقدّميّا تحرّريّا وحدويّا ديمقراطيّا اشتراكيّا.
وهي الآن، مع إحياء ذكرى استشهاده، لا شكّ تذكر وقوفه – وهي معه وتحت قيادته - سدّا منيعا أمام الانهيار العربيّ. وهي الآن لتذكره وهي ترى إلى أيّ حدّ بلغ بنا الانهيار والتفتيت – بعد التجزئة – متسائلة – قطعا – ماذا كان القائد سيفعل لو كان بيننا؟ وإنّ هذا التساؤل لهو مفتاح استرجاع الثقة والأمل، والنضال والعمل. لعلّها تسترجع، تلك الجماهير، وصايا قائدها لها بالتمسّك بوحدتها ووحدة نضالها وثباتها على التوجّه الوحدويّ العربيّ. إنّها ذات الجماهير التي ألجمت بمواقفها التلقائيّة المتصدّية للانفصال كلّ الأفواه المشكّكة في حماسها للوحدة ومطالبتها بها. إنّ الوحدة العربيّة تبقى الحلّ لمشكلات الواقع العربيّ المنهار. ولعلّ من الثابت الآن بعد كلّ الأحداث المرّة التي مرّت بها الأمّة العربيّة أنّ الوحدة ليست دعوة بائدة وليست أمرا كماليّا أو خطبا رنّانة يزيّن بها البعض أحاديثهم ليستثيروا في الجماهير الحماس المفرغ من المعنى، إنّها – على العكس – حياة حرّة نسعى إليها عربا جزّأنا الاستعمار ومازالت الإقليميّة تحرمنا مقدّرات أمّتنا الحقيقيّة.
وباختصار نقول إنّ تجربة الجمهوريّة العربيّة المتّحدة كانت مشروعا حقيقيّا لدولة وحدة نواة للدولة العربيّة الواحدة الديمقراطيّة الاشتراكيّة. لكنّها كانت فرصة من الفرص الوحدويّة الضائعة، وإنّ محنة الانفصال وما تلاها من نكبات قد أكّدت، من جهة، ثبات الجماهير العربيّة على الخطّ الوحدويّ وإن كُمِّمت أفواهها، ومن جهة أخرى، أنّ الوحدة العربيّة الشاملة هي الحلّ. ولقد تحوّلت \"الجمهوريّة العربيّة المتّحدة\" من دولة مجسّدة في إقليمين إلى حلم في رحم الأمّة ينتظر جيلاً عربيًّا يمتلك المقدرة والفاعليّة والعلم والتصميم والإصرار والأدوات والأساليب لتحقيقه…
وها أنّ ثمّة اليوم مؤشّرات على أنّ الحياة في الأمّة العربيّة لم تتوقّف وأنّ روح الصمود فيها لم تخبُ ولا يمكن أن تخبو. فرغم الأهوال والأزمات والنكبات وغياب الإطار القوميّ، مازالت قوى التحرّر العربيّة ثابتة على مبدإها، مرابطة، مدافعة عن حقّ هذه الأمّة العربيّة في الوجود والوحدة والتقدّم. وليس دليلا على روح الصمود والنضال أوضح من تفجير \"انتفاضة الأقصى\" يوم 28 سبتمبر 2000 في فلسطين العربيّة المحتلّة على إثر محاولة المجرم الصهيونيّ شارون اقتحام الحرم القدسيّ فتلقّاه المقاومون العزّل في المسجد الأقصى بنعالهم والحجارة مؤكّدين ثباتهم وتمسّكهم بعروبة فلسطين ورفضهم الانصياع لصهينتها. تلك الصهينة التي لم تتوقّف منذ نكبة 1948. لقد كانت تلك الانتفاضة – ومازالت – ردّا حاسما على كلّ المتوهّمين أنّ الأمّة العربيّة لم تعد تنجب المقاومين، ولم تكن ردّا على العدوان الصهيونيّ فحسب بل كانت أيضا ردّا على الداعين إلى التسوية والتطبيع ومن ثمّ إلى تصفية القضيّة. فها أنّ الأرض العربيّة تنتهك في اليوم آلاف المرّات، والقدس تحاك المؤامرات لصهينتها، والراكضين خلف المفاوضات والمساومات يسعون وراء أسيادهم ط معا واسترضاء. لكن لا يمكن أن تنصاع لهم هذي الجماهير العظيمة، إنّها هي نفسها التي تصدّت عام 1961 للانفصال ورفضت عام 1967 الاستسلام للهزيمة وعاهدت قائدها وهي تشيّعه عام 1970 على الثبات على المبدإ الذي استشهد من أجله، هي نفسها التي تقاوم الآن في كلّ شبر من الوطن العربيّ بما أوتيت من إمكانيات حتّى بالنظرة الغاضبة أو بالنكتة الساخرة أو بالطلقة الحاسمة… فتحيّة إلى كلّ الشهداء الذي قدّموا أرواحهم فداء لهذه الأمّة وولاء لها وبناء لمستقبلها.
إنّ إحياء تلك الذكرى الثلاثيّة ليس غاية في ذاته وإنّما هو أ-وّلا استرجاع للماضي الذي لم تعد له إلاّ وظيفة الخبرات المتراكمة وهو ثانيا محطّة لابدّ منها للتصدّي لكلّ محاولات محو التاريخ العربيّ الموحّد سواء أكان قديما أو معاصرا وهو ثالثا قادح للتفكير الجادّ والعلميّ في مستقبل الأمّة العربيّة الوحدويّ وسبيل تحقيقه.
وبعد، فإنّ هذه الذكرى غنيّة بالدروس للمتّعظين والثابتين على مبادئهم. ومن تلك الدروس تأكيد وحدة الوجود العربيّ ومن ثمّ وحدة المصير القوميّ، وتأكيد ضرورة اعتماد الأسلوب العلميّ في النضال. فقد ثبت أنّ ما ينقص النضال العربيّ من أجل تلك الغايات هو الأسلوب العلميّ الذي تتمثّل لبنـته الأولى في عقيدة علميّة قائمة على منهج يجنّب المناضلين العشوائيّة في الفكر والممارسة.
وهكذا تكون الذكريات الثلاث وجوها لذكرى واحدة لارتباطها بوحدة الوجود القوميّ للأمّة العربيّة وبوحدة مصيرها: دولة الوحدة الديمقراطيّة الاشتراكيّة.
طلبة قوميّون
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : احداث | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

































أكتوبر 5th, 2009 at 5 أكتوبر 2009 11:26 م
ثبّتكم الله