عندما اثبتت هزيمة يونيو ( حزيران ) 1967 جسامة المخاطر التي ينطوي عليها الاسلوب التجريبي أصبح مسلماً أن مواجهة المستقبل العربي بغير ” نظرية ” حماقة خرقاء . فقد كنا صادفنا النجاح الذي تصادفه التجربة احياناً فأغرانا نجاحنا العرضي بالإصرار على عدم الالتزام العقائدي ، وألهانا عن المخاطر التي كانت تنتظر مسيرتنا ، فإذا بنا نتبين ، في أسوأ الظروف ملاءمة للتراجع ، أنه كان نجاحاً مؤقتاً ومحدوداً وأن الحساب الختامي للمسيرة غير العقائدية كان خسارة فادحة .
وهكذا اصبح من الممكن أن يدور حوار بناء بين كثير من المشغولين بالمستقبل العربي انطلاقاً من مسلمة أولى هي ضرورة ” النظرية ” لمواجهة مشكلات الواقع العربي ومستقبله . غير أن هذه البداية المشتركة تستدعي مباشرة أدق الأسئلة وأكثرها غموضاً . ذلك هو السؤال : ما النظرية التي نريد ؟
وهو سؤال مبرر علمياً وتاريخياً .
ذلك لأن كلمة ” نظرية ” كلمة مضللة ، إذ هي تطلق على مفاهيم جد مختلفة ، من أول المقولات الميتافيزيقية المجردة إلى آخر الاساليب الفنية في التطبيق . إن مقولة ” الخط المستقيم هو اقصر مسافة بين نقطتين ” بدهية ” يعرفها تلاميذ المدارس الثانوية . وهي ايضاً ” نظرية ” أساسية في الهندسة . ومع هذا فهي لا تعني شيئاً في النضال العربي . والذين يدرسون القانون يعرفون ” نظرية الحق ” و ” نظرية السبب ” و ” نظرية البطلان ” و ” نظرية سلطان الارادة ” و ” نظرية السيادة ” و ” نظرية فصل السلطات ” … الخ . وفي الاقتصاد ” نظرية السوق ” و ” نظرية القيمة ” و ” نظرية الريع ” و ” نظرية السكان ” و ” نظرية المنفعة ” … الخ . وعلى مستوى النظم هناك النظرية الرأسمالية والنظرية الاشتراكية ، وكل منهما تتضمن عشرات النظريات المتميزة . وعلى مستوى مناهج المعرفة هناك ” نظرية المنطق ” لأرسطو ، و” نظرية الجدل “ لهيجل ، وثمة نظرية القانون الطبيعي والنظرية الوضعية والنظرية الرياضية والنظرية الاحصائية والنظرية التاريخية ونظرية المادية الجدلية … الخ . ومع أن النظريات في المنهج بعض من نظريات الفلسفة إلا في الفلسفة حشداً اكبر من النظريات التي تنسب الى اصحابها أو إلى مضمونها كالمادية والمثالية والوجودية … الخ .
وكلها نظريات .
فبأي مفهوم ” للنظرية ” تكون النظرية التي نريد ؟
إن إحدى العقبات الاساسية ، التي تعترض الحوار الفكري وتحول دون وصوله الى الالتقاء على ” نظرية ” ، هي ان مفهوم ” النظرية ” التي يراد الاتفاق عليها غير متفق عليه بين المتحاورين . وهذي عقبة لايمكن تجاوزها إلا بالإفلات من التضليل التي تثيره كلمة ” نظرية ” بغير تحديد ، وذلك بتحديد مفهوم ” النظرية ” التي يدور حولها كل حوار على حدة ، حتى لاتختلط في اذهان المتحاورين دلالات مختلفة لكلمة ” نظرية ” وهم يتحدثون عن ” نظرية الثورة العربية ” مثلاً . إن هذا التحديد لازم لأي حوار غايته أن يؤدي الى اتفاق .
والسؤال : ما النظرية ؟ … مبرر تاريخياً . ذلك لآن الانجازات التي حققها الماركسيون خلال أكثر من نصف قرن في أماكن كثيرة من العالم ، وعلى وجه خاص في ” اتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية ” قد رشحت ” الماركسية ” نموذجاً لنظرية النضال الثوري في المجتمعات المختلفة . ولا شك في أن كثيراً من الشباب العربي يلتمسون ” نظرية ” لمواجهة مشكلات الواقع العربي ومستقبله ويتحدثون عن ضرورة ” النظرية ” وفي اذهانهم نموذج من الماركسية . إن هذا لايصدق على غير الماركسيين فقط بل وعلى الذين يرفضون بعض او كل المضامين الفكرية الماركسية . أولئك يبهرهم ما يبدو من شمول الفكر الماركسي وإحكام مقولاته ولغته الثورية فيبحثون عن نظرية غير ماركسية ولكن على الطراز الماركسي . وقد أدى هذا التأثر ” السلبي ” بالفكر الماركسي إلى أن صد بعض الشباب العربي أنفسهم عن كثير من الاجتهادات الفكرية ، لا لآنها غير صحيحة ، أو لآنها لاتصلح أساساً للنضال العربي أو حتى لمراحله الملحة الأولى ، بل لأنها ليست ، أو لاتبدو لهم ، في مثل شمول واحكام وثورية الفكر الماركسي . وهكذا انقلب الأمر عندهم من محاولة استكمال الأسس الفكرية للنضال العربي الى تحريض على الدخول في ” مباراة ” فكرية مع الماركسيين . وقد دخل كثير من المفكرين العرب ” المباراة ” حتى




















