الشروط الغائبة للإنتقال من الديموقراطية المحكومة إلى الديموقراطية الحاكمة:
الحالة التونسية نموذجا*
(قراءة في الإستراتيجيات النضالية للحركة الديمقراطية)
الأمين البوعزيزي**
تشهد الساحة السياسية في تونس إستفاقة لافتة منذ عقد من الزمان يميزها إجماع مختلف الأطياف السياسية على محور نضالي قوامه مطلب ″التحول الديمقراطي″ الذي تقاربت حوله أطياف سياسية مختلفة المراجع الفكرية. وتدعمت على قاعدته ساحة النضال الديمقراطي بأطراف سياسية - كانت الى عهد قريب تدين من يختارون هذا النهج النضالي وتصفهم بالإصلاحية وتضييع الوقت - أدخلت حيوية لافتة على المشهد السياسي ورفعت من سقف المطالب السياسية وكشفت حدود مساحة الفعل الديمقراطي التي انقسم المجتمع السياسي في تقييمها، ما بين خطاب انتصاري يباهي بالمنجزات الديمقراطية ترفع لافتته السلطة والأحزاب التي تصف نفسها بالأحزاب الإصلاحية المعتدلة. لكنها عاجزة عن تقديم جواب مقنع يفسر حالة الاحتقان في صفوف نشطاء الحركة الديمقراطية والحقوقية والنقابية، إذ لم تعد تهمة الخيانة والإستقواء بالخارج قادرة على إقناع أحد! وخطاب إحتجاجي عالي النبرة يميز نشطاء الحركة الديمقراطية يدعمه فعل ميداني في حكم المحاصر والممنوع، خطاب بالكاد يصلح عدة تعبوية سيئة الإخراج، لا على فهم ولا على توصيف لغز نظام سياسي يتضمن دستوره كل مقومات النظام الديمقراطي لكنه معطل عن أداء وظائفه، ولا تملك المعارضة أمامه إلا التظلم، مما جعل مطالبها تصنف في خانة المطالب الحقوقية ليس إلا!!
وقد مثلت الإنتخابات البرلمانية والرئاسية التي ستجرى هذه الأيام فرصة للوقوف أكثر على خطط المعارضة وملامح إستراتيجياتها النضالية التي إنقسمت ما بين داع إلى المقاطعة ″لغياب الحد الأدنى من شروط إجراء انتخابات نزيهة″، مكتفية بالتسابق في الرفع من منسوب الجملة الثورية في بياناتها. وتميز حزب العمال الشيوعي التونسي بالدعوة الى ″المقاطعة النشيطة″ أي المقاطعة المرفوقة بأنشطة سياسية وإعلامية لمزيد كشف ما سماه ″بالدكتاتورية النوفمبرية والديكور الديمقراطي″.
في حين إختارت أطراف أخرى خوض معركة ″المشاركة النضالية دفعا لمسار ديمقراطي يتطلب الكثير من الصبر والتضحيات″ (حركة التجديد والتكتل من أجل العمل والحريات وحزب العمل الوطني والحزب الديمقراطي التقدمي الذي قاطع الرئاسية بعد تعذر قبول ترشح مرشحه، مكتفيا بالمشاركة في التشريعية ثم قاطعها إحتجاجا على ″إسقاط أغلب قائماته″).
وهو ما يجعلنا في حاجة إلى عدة نظرية صلبة قادرة على تفسير لغز التناقض ما بين مشهد سياسي يقوم على دستور يتضمن كل مقومات حياة ديمقراطية، ومناضلو معارضة ديمقراطية يشكون التضييق عليهم وينشد ون إصلاحات يجدونها مكتوبة لديهم في صحف الدستور!!! فاعتمدنا علم النظم السياسية أداة منهجية لفهم وتفكيك هذا اللغز، بالرجوع الى ما كتبه أبرز فقهاء القانون الدستوري في القرن العشرين، الأستاذين جورج بوردو وعصمت سيف الدولة(1).
إذ يقدم جورج بوردو تصنيفا جديدا للنظم السياسية يفرق فيه بين ما سماها الديمقراطية الحاكمةdémocratie gouvernante، وهي نظام تتوفر فيه كل الأشكال الدستورية وتكون القرارات التي يصدرها الحكام فيه تكون معبرة عن إرادة الشعب. والديمقراطية المحكومة gouvernée démocratie، وهي أيضا ″نظام ″ديمقراطي″ كامل الشكل والمواصفات المتعارف عليها، تتوفر فيه كل الأطر الدستورية التي تسمح بإسناد قرارات الحاكمين إلى الشعب المحكوم: الحرية الفردية والاقتراع السري العام، والإنتخابات الدورية، والمجالس النيابية.. إلى آخره، ومع ذلك لا تكون قرارات الحاكمين المسندة دستوريا إلى الشعب معبرة عن الإرادة الشعبية الحقيقية″.
مما يجعلها أداة إستبداد بالشعب، بالرغم من كل ما يتوفر فيها من أشكال دستورية للممارسة المسماة ديمقراطية. إنها الديمقراطية المحكومة، أو هي النموذج "المتحضر" من الإستبداد كما يسمّيها الدكتور عصمت سيف الدولة، الذي قدم تصنيفا لنظم الحكم الاستبدادية كاشفا فيه مسيرة كفاح الشعوب ضد الإستبداد وتطوير الإستبداد لأساليبه حتى يصبح أقدر على خداع الشعوب.
إذ يذكر البشرية مرت بطور من الاستبداد المتخلف كان مصدر" القرار" - الذي ينصب على المجتمع ويمس حياة كل فرد فيه ─ إلها أو مجموعة من الآلهة تنطق بقراراتها على ألسنة الملوك أو الكهنة أو السحرة. فالحاكم وحده الذي يفكر ويدبر ويأمر وينفذ ولا يقول الآخرون إلا "آمين". وهو إستبداد بوجهين، فهو من جهة يلغي وحدة المجتمع وتعدد الأفراد فيه، ويأتي هابطا على البشر من فوق العقل الإنساني مفترسا العقول والأجسام - وإليه تنتمي نظرية الحق الإلهي ونظرية العناية الإلهية - ومتخلفة مضامين القرارات التي يصدرها من جهة ثانية، فهو إستبداد متخلف شكلا ومضمونا.
ونتيجة لعديد التضحيات والتطورات الاقتصادية والفكرية طرأ تغير شكلي على الإستبداد بتدوين قواعده وقراراته العرفية، إذ بدأت محاصرة الإستبداد بتلك الوثائق التي ستتطور وتصبح ما نسميه الآن الدساتير أو القوانين الأساسية ويصبح لنفاذها إسم هو "سيادة القانون" حيث يستطيع من يريد معرفة حدود الإستبداد ومضمونه فيجتنبه أو يتحداه، ويصبح غيابها إعلانا صادقا عن حضور الإستبداد.
من هنا أمكن القول كون تدوين القواعد والقوانين كان بشيرا مبكرا بنهاية مرحلة الاستبداد المتخلف الذي عمرّ قرونا ودخول الإنسانية مرحلة الاستبداد ″المتحضر″، الذي يتميز بظهور وقبول مبدأ "سيادة القانون". ولكن الإستبداد لم ينته، فلئن كان في مرحلته المتخلفة قائما على أساس ألاّ ضرورة لوجود قانون أصلا، فإنه في مرحلة ما بعد سيادة القانون - حيث أصبحت علاقات الناس داخل المجتمعات مصوغة في نظام قانوني - قد غيّر جلده، إذ ظلت هذه الدساتير أو القوانين الأساسية مستبدة المضامين، وتواصلت في ظلها معاناة الشعوب لتخلف مضامين القوانين من جهة وعقلية الوصاية، نظرا لأن الحاكم أو الصفوة أو الطبقة الحاكمة كانت تعتبر وجهة نظرها في إدارة الشأن العام هي الكلمة الفصل وتنكر التعدد والاختلاف. ولكنها مثلت مرحلة متقدمة في وضع حدود للإستبداد إذ فرضت عليه قيوداً.
لكن التطورات الاقتصادية والثورات الصناعية والثقافية والانتفاضات الاجتماعية فرضت تطور النظم السياسية الى طور آخر، منهية عهد امتلاك الحقيقة، لتدخل الإنسانية مرحلة "سيادة القانون والمؤسسات"، حيث أصبح الحكم يستند الى عقد سياسي يستند الى فلسفة ليبرالية أرست قواعد لعبة ديمقراطية قادرة على احتواء القوى الاجتماعية الملتزمة بمتابعة مصالحها عبرها، ونشأ في رحمها الفكر الاشتراكي الذي يكشف حدود الديمقراطية السياسية في ظل اللبرالية الاقتصادية التي تجعل القرار والسلطة بيد المالكين القادرين لوحدهم على تأسيس الأحزاب وإصدار الصحف والتأثير على إرادة الناخبين. وما يزال الاشتراكيون يخوضون المعارك ضد الاستغلال ويراجعون أساليبهم خصوصا بعد فشل بناء الاشتراكية في ظل التجربة التي قايضت الديمقراطية السياسية بالديمقراطية الاجتماعية.
فكيف نصنف النظام السياسي في تونس على ضوء هذه المقاربة؟
تفيدنا وقائع التاريخ أن البلاد التونسية عرفت الحياة الدستورية منذ حالي قرن ونصف من الزمان، وقد كان ذلك إيذانا بتقييد سلطة بايات ينتمي حكمهم الى نموذج العناية الإلهية التي تتوسل بالغلبة والتوريث أسلوبا في الحكم وفي إعتلاء سدته. وقد ساهمت في هذا الإصلاح عوامل عديدة منها بوادر نهضة فكرية بدأت تتحدث عن مثالب الإستبداد مضافا إليها ضغوطا خارجية كانت معنية بتأمين إمتيازات جالياتها. ودخلت البلاد إثرها تحت السيطرة الإستعمارية مما جعل مهمة التحرير أولوية لدى النخب الفكرية والسياسية ، واعتبرت بعض النخب الحضرية أن المطالبة ببرلمان تونسي أحد أسلحتها في معركة التحرر الوطني!
وبإستقلال البلاد أنهي حكم البايات لصالح النظام الجمهوري، وصدر الدستور في غرة جوان 1959 فانتقلت بموجبهما البلاد إلى طور سياسي جديد قطع نهائيا مع مرحلة الإستبداد المتخلف، لكن لم ينته الإستبداد، إذ إلتفّ الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة على ما أقره الدستور من مبادئ، فصفى خصومه من رفاق الحركة الوطنية، وحظر نشاط الحزب الشيوعي وأقرّ الرئاسة مدى الحياة وألحق المنظمات الجماهيرية، كالاتحاد العام التونسي للشغل واتحاد الفلاحين والاتحاد الوطني للمرأة بالحزب مبعدا العناصر المتمسكة باستقلالية هذه المنظمات’ وانقلب على تجربة التعاضد ومدّ يده الى اتحاد الطلبة!!
وقد كان لهذا الانغلاق ما بقابله في صفوف المعارضة التونسية التي جذرت خطابها، فالقوميون العرب اتخذوا العنف المسلح أسلوبا في التغيير- ساعدهم في ذلك نشأتهم القتالية في صفوف حرب تحرير فلسطين سنة 1948 وفي صفوف الحركة الوطنية، وتأثرهم بنماذج التغيير آنذاك - فكانت لهم معه محطات مواجهة.
والماركسيون جذروا نظريا خيار النهج الثوري لإنجاز الثورة الوطنية الديمقراطية ذات الأفق الاشتراكي وساهموا في تصليب العمل النقابي - ساعدهم في ذلك نشأة أجيالهم الأولى في النقابات - فكان الإضراب العام سنة 1978. ودخل الإسلاميون على الخط كأحد مكونات المشهد السياسي. وقد كان من نتائج هذا الحراك السياسي والهزات الإجتماعية أن أعلن الرئيس بورقيبة استعداده لإجراء انفتاح سياسي والعودة إلى التعددية التي انقلب عليها، فرفع الحظر عن الحزب الشيوعي وظهرت حركة الديمقراطيين الاشتراكيين التي أسسها ليبراليون خرجوا عن الحزب الحاكم رفضا للانغلاق.
لكن ذلك التنفيس لم يكن قادرا على احتواء الغضب الإجتماعي المتفجر فكانت انتفاضة الخبز1984 المدعومة بتحركات طلابية وتصلب عود بعض المنظمات الحقوقية. يقابلها إهتراء في مؤسسة الحكم نتيجة مرض الرئيس وعجزه عن إدارة شؤون الحكم واشتعال حرب الخلافة .
في مثل هكذا ظروف كان لابد من حصول تغيير سياسي يستجيب لتطلعات الحركة الاجتماعية والسياسية ويتوج نضالاتها. أو ينقذ مؤسسة الحكم ويحفظ للدولة هيبتها إذ وصلت أطراف في السلطة الى قناعة أن مصلحتها أصبحت تقتضي تغيير أدوات حكمها - نتيجة لتغير ظروف البلاد والظروف دولية - وأنها لم تعد تستطيع الحكم بالوسائل القديمة. ولابد من تغييرها. فكان حدث 7نوفمبر1987 بقياده الرئيس الحالي زين العابدين بن علي الذي أعقبته جملة من الإصلاحات جعلت الدستور التونسي كما يقول الأستاذ عياض بن عاشور ″يضم كل ما يتطلبه النظام الديمقراطي من آليات رقابية مثل مجلس النواب والمجلس الدستوري والمحكمة الإدارية ويعترف بالحريات الأساسية وباستقلالية القضاء وبالتعددية السياسية″، مؤكدا أن ″المشكل هذه الأيام ليس مسألة تشريعات يستميت بعض نشطاء الحركة الديمقراطية في تحميلها مسؤولية العطب في حياتنا السياسية وتعثر العملية الديمقراطية مثل مسألة الصلاحيات الواسعة التي يمنحها الدستور لرئيس الجمهورية إذ ذكر أن الدستور الفرنسي يمنح نفوذا أوسع للرئيس، ومع لا مجال للمقارنة بين حياتنا السياسية ومثيلتها الفرنسية معتبرا أن المشكل يكمن في غياب قوى مدنية تفرض تطبيق نصوصه حتى لا تظل مجرد قرارات لا وزن لها ″ (2).
فما تم من إصلاحات على يد مؤسسة الحكم ليس بدعة، إذ تثبت وقائع عديد التجارب السياسية أن مؤسسة الحكم هي التي تتكفل بقيادة عمليات الإصلاح السياسي استجابة لضغوط المعارضة السياسية والضغوط الاجتماعية. وهو الأمر الذي يحصل في كل الدول تقريبا ويتخلله شد وجذب بين السلطة التي تحاول التحكم في عملية الإصلاح والمعارضة التي توازن الكفة لتكون شريكا فاعلا في دفع عجلة الإصلاح نحو خط اللاعودة.
مما يجعلنا نتساءل هل كانت المعارضة التونسية آنذاك على درجة من الوعي النظري والسياسي والجهوزية الكفاحية ما يجعلها تتحكم في عملية الإصلاح وعدم ترك المبادرة في يد السلطة لوحدها تسيرها الوجهة التي تخدم مصلحة قوى التنفذ المالي والسياسي وإفراغ عملية الإصلاح من مضامينها الشعبية؟
أم ارتبكت وتركت المبادرة في يد السلطة معولة على الوعود التي يبشر بها البيان والانخراط في ميثاق سياسي، لا تملك قدرة على إلزام السلطة على الوفاء به، في حين فضلت أطياف سياسية أخرى النأي بنفسها عن ذلك لكنها لا تملك أوراق كثيرة أمام واقع سياسي جديد لا يتسامح ولا يترك فرصا للعتل السياسي خارج القانون مضيقا مجال الفعل الذي كانت الحركات السرية قد فرضته أمرا واقعا. وتضافرت زلازل دولية وقومية أصابت هذه التيارات في مقتل إذ انتاب المثقفين وحركة الشبيبة حالة يأس خلفها السقوط المريع للاتحاد السوفييتي وكتلته الشرقية وضمور حلم التغيير وإنهاء الاستغلال وحالة الإحباط القومي التي أعقبت حرب الخليج الثانية، مضافا إليها هجمة رأس المال على كل المكتسبات الاجتماعية بعد استفراده بهندسة مصائر الشعوب.مما أثر كثيرا على حيوية التيارات السياسية وعطاء مناضليها.
وقد أحسنت السلطة إستغلال كل هذه التطورات وحالة الإرباك التي عاشتها المعارضة التونسية لتجديد آليات تحكمها بصيغ معاصرة و″ديمقراطية″ و″قانونية″. إذ يؤكد أساتذة القانون الدستوري أن مؤسسة الاستبداد تستفيد بدورها من التقدم الحضاري فتصطنع للقهر أساليب عصرية متحضرة أقدر على تضليل الشعوب. ولقد كانت "الديمقراطية" آخر ما اختاره المستبدون لستر عورة الإستبداد في هذا العصر، وهو لذلك أولى بالانتباه من الإستبداد المتخلف لأنه أقدر منه على خداع الشعوب. وليس ثمة خطر على حريات الشعوب أشد فتكا من الإستبداد بها بالقانون، وليس ثمة خطر على حريات الشعوب أشد فتكا من الإستبداد الديمقراطي!!
فكيف أصبحت جملة الإصلاحات الدستورية المتضمنة لكل مقومات الحياة الديمقراطية تحمي الإستبداد ؟ وكيف تحولت المؤسسات المفترض أنها تحاصر الاستبداد وتعبر عن إرادة الشعب إلى أداة لقهره؟ وكيف تحولت إلى أداة للحكام تحوّل أفكارهم الخاصة إلى قوانين، وتردع باسم تلك القوانين كل من يجرؤ على ممارسة حقه الديمقراطي في أن يسهم بالفكرة والرأي؟ وكيف أصبحت التعددية الحزبية عاطلة لا تشارك في إتخاذ القرار، وان شاركت فلكي تتطابق وجهة نظرها مع الحاكم وتسمى معارضة؟ وكيف تمكنت السلطة من الظهور في مظهر الحامي للقانون في وجه معارضة متهمة بمخالفتها؟
بالسوبرنيطيقا، la cybernétique : علم التحكم غير المباشر، ذلك العلم الذي نما ونضج أثناء الحرب العالمية الثانية ثم امتد بعدها ليطبق بنجاح في الحقول السياسية والإقتصادية والإجتماعية، (عرضه بشكل جيد الكاتب الروسي ليوناردو أندريفيش راستريجين)(3). وتطبقه بنجاح النظم الحاكمة منذ عقود في تعاملها مع مكونات المجتمع المدني من أحزاب سياسية ونقابات ومنظمات حقوقية وجمعيات ثقافية وغيرها.
إذ يطرح سؤال ماذا يريد ناشطو هذا النسيج المدني؟ وفي الإجابة على هذا السؤال تستعمل كل أساليب البحث العلمي ونتائج علوم الإنسان بمختلف فروعها، ويشمل البحث دراسة أشخاص الناشطين في أدق تفاصيلها من أول القراءات والأمزجة والاهتمامات وصولا إلى محيطهم الأسري مرورا بظروفهم الاقتصادية ليصلوا إلى تحديد ماذا يريد هؤلاء الناشطين. وعندما تنتهي الإجابة، يبدأ التخطيط البعيد المدى واصطناع وقائع داخل الأحزاب والجمعيات والنقابات على مستويات فردية أو جماعية ليصلوا في النهاية إلى أن تريد هذه المنظمات والأحزاب بكامل استقلاليتها وحريتها في الاختيار ذات الذي تريده السلطة. فيصبحون قادة وأفرادا وأحزابا ومنظمات وصحف… كلهم يتحركون وهم في كامل وعيهم ويتخذون مواقفهم بكامل إرادتهم ولكنهم لا ينفذون في الواقع إلا ما يراد لهم ولا يقفون إلا الموقف الذي أوصلتهم إليه قوى عاتية حريصة على ألاّ تمس شعور الاعتزاز بحرية اتخاذ القرار لديهم، ما دامت تلك الإرادة تحقق لها ما تريد!!
هل هي تبعية، تلك التهمة التي تثير أعصاب الكثير ممّن توجّه إليهم ؟
ليس بالضرورة، فباستثناء الأحزاب التي تم تفريخها في محاضن الإدارة، نحن نعرف الكثير ممن التحقوا ببعض الأحزاب بصدق وحماس فياض خبا مع الأيام، ولا يعرفون لماذا. أما نحن فنجيبهم: لقد تم تركيع عديد الأحزاب والمنظمات الجماهيرية والجمعيات بسبب عجز في الكفاءة عن إدراك أصول ومخاطر لعبة السياسة في عصر السوبرنيطيقا، إذ يكفي استدراج هؤلاء النشطاء إلى قبول بعض الإمتيازات (أجور عالية ومنح ومنافع مادية أخرى وتعيينات في مراكز مهنية وإدارية ومناصب سياسية وبرلمانية وخدمات اجتماعية وترفيهية، مساعدات عينية، حنفية إشهار وإشتراكات لأصحاب الصحف) ليجدوا أنفسهم قد إقتنعوا بأن مصلحتهم تكمن في المساندة والمعاضدة وتقديم المشورة للسلطة فيصبحون موضوعيا ملحقون بالنظام وإختياراته.
وبذلك تفقد النقابات دورها في الدفاع عن مصالح منظوريها وتحويلها من نقابات مطلبية إلى نقابات مشاركة خاضعة لمخططات رأس المال المعولم التي يتبناها وكلاؤه المحليون. وتفقد الأحزاب السياسية وظيفتها كتجمعات شعبية إختيارية منظمة تجمع وتنظم وتقود إتجاهات الرأي العام وتشكل أداة فعالة للرقابة الشعبية على أداء الحكومة وتقدم برامج تتعارض مع سياساتها تنقدها ولا تقدم لها النصائح إلاّ في حالة تعرض البلاد إلى حرب أو كارثة طبيعية أو غيرها، عندها يتشاور مع السلطة في قضايا أمن قومي عليا متفق عليها.
فهي الشكل الأرقى والأكثر حداثة لممارسة السياسة، بما هي فاعلية اجتماعية ومجتمعية وأحد مظاهر المواطنة الحديثة، وأداة تحقيق مبدأ المشاركة السياسية في الحياة العامة والنهوض بمهمة تسييس المجتمع وتمدين السياسة، وتعمل على الوصول إلى السلطة لتنفيذه، إذ لا معنى آخر لتأسيس وتنظيم الأحزاب السياسية.
شروط الانتقال الى الديمقراطية الحاكمة كما تطرحها النخبة السياسية في تونس
لم تطل حالة الإحباط التي أضعفت أداء الحركات السياسية أثناء التسعينات، إذ سرعان ما أ




















