
أريد ان أقول ، بأكبر قدر من الوضوح ، انني كنت ولم أزل على يقين يتحدى أي شك بأن " الناصرية " هي " نظرية الثورة العربية " . وان الناصري هو من يقبلها ويلتزمها وينميها بخبرة ما انقضى من سنين الردة ولكن طبقاً لمنهجها . ومن منطلقاتها ، إلى غاياتها ، باسلوبها . وان من يناقضها منهجاً أو منطلقاً أو غاية أو اسلوباً لا يستحق عندي على أي وجه أن ينسب الى الناصرية ولن تثبت نسبته اليها ولو كانت بيده شهادة موقعة من عبد الناصر شخصياً
فارس العروبة عصمت سيف الدولة
| ► | نوفمبر 2009 | ◄ | ||||
| إثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة | سبت | أحد |
| 1 | ||||||
| 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 |
| 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 |
| 16 | 17 | 18 | 19 | 20 | 21 | 22 |
| 23 | 24 | 25 | 26 | 27 | 28 | 29 |
| 30 | ||||||




أبريل 18th, 2009 كتبها محب الوطن العربي نشر في , دراسات مهمة,
أبريل 9th, 2009 كتبها محب الوطن العربي نشر في , دراسات مهمة,
عن القوميين ومستقبل فلسطين
صالح الفرجاوي
يُعَلِّمُنا المنهج الإنساني أن الماضي " مادي جامد"، و بمجرّد وقوعه يفلت من إمكانية الحذف والإلغاء.ذلك أنّـه يدخل في ذمة التاريخ. ولكن هذا الماضي المادّي والجامد والهارب من إمكانية الإلغاء لايُمْكِنه الإفلات من إمكانية الفهم والتّدبّر والعَقْلَنة والاستيعاب وتحويل تجاربه المُنْقَضية إلى خبرات لمواجهة المستقبل – لمن يُريد ذلك ويَسْعى إليه بطبيعة الحال-. وفي الوطن العربي ظاهرة اجتماعية تستحق-هي- الكثير من الدّراسة والفهم والعقلنة والتدبّر،ونحتاج-نحن- أن لا تمتدّ تلقائياّ في مستقبلنا كما حدثت في ماضينا –فَهْما وممارسة وتطبيقا وقُوى وعلاقات- هي ظاهرة المقاومة .وذلك اعتبارا لأهمّيتها في الواقع العربي . لخطورتها أيضا في علاقة بالمستقبل العربي من جهة ثانية . وأيضا للمفارقة الغريبة والعجيبة بين مجهودات المؤمنين بها – وأثر ذلك على كل المجتمع العربي - وبين عائدها العَيْني في الواقع العربي لهذا الشعب العربي.
(1)إن المقاومة باعتبارها " القتال الجماهيري المُسلّح" قد امتدّت في فلسطين المحتلّة على مساحة زمنية تجاوزت نصف القرن،ومازالت، تُقدّم مجهودات متواصلة من العدل أن نصفها بالجباّرة والخُرافيّة. ولكن ما الذي تحقّق مُقارنة بهذا المجهود؟؟؟ أين تكمن المُفارقة بين الجُهْدِ والعائد في فعل المقاومة في فلسطين ؟؟؟ كيف يمكن أن نُفسّر هذه المفارقة ؟؟؟ كيف يمكن أن نَحُلّ التّناقض بين الجُهْدِ والعائد في فعل المقاومة ؟؟؟ كيف ننتقل من مرحلة " القتال الجماهيري المسلّح" لأجل الشهادة إلى مرحلة "القتال الجماهيري المسلّح" لأجل النصر ؟؟؟ لماذا المقاومة ؟ لماذا فلسطين ؟ لماذا الآن ؟
(2)إن اختيارنا للمقاومة كظاهرة تستحق الدرس والتتّبع والفهم ينطلق من قناعة هذه المقاربة أن الأمة العربية كوحدة موضوعية من الأرض والشعب وما تتعرّض له من عدوان يطال شَرْطَيْ / شَطْرَيْ وجودها لم يعد أمامها ( يعني أمام المؤمنين بها كمقولة متحقّقة في التاريخ ) من خيار غير المقاومة بكل الأشكال الممكنة ومن جميع المواقع الممكنة للدفاع عن وجودها ذاته. كما أن المكانة التي تحتلّها الأمة العربية كأمة قاعدة لأي مشروع إنساني تقدمي تدفع هي الأخرى إلى ضرورة الدفاع عن هذه الرقعة من الجغرافيا البشرية والحضارية ليبقى الأمل في الخلاص البشري ممكنا بمضمونه المادي أو مضمونه الروحي . وهي فرصة تاريخية نادرة – على نكايتها – لتتوحّد جميع اليافطات الإيديولوجية للنهوض بمشروع التحرير العربي دفاعا عن المستقبل القومي والأممي – المادي أو الروحي – ودفاعا عن إمكان التحقّق التاريخي لهذه المشاريع الإيديولوجية.
(3)أما لماذا فلسطين ؟ فذلك يعود - من جهة - إلى طبيعة العدوان الصهيوني الذي يستهدف الوجود القومي العربي – مهما كانت تحليلاتنا له- في جزء من الأرض والشعب: فلسطين.وبالتالي فلا مجال لأن نواجه العدوان الذي يطال الوجود بغير الأسلوب الذي يحفظ الوجود ذاته. ولما كانت الحركة الصهيونية – كما يؤكد ذلك الدكتور عصمت سيف الدولة – حركة رجعية مجرمة في ذات جوهرها : رجعية في علاقة الصهاينة بأممهم حين استبدلوا الرباط القومي برباط أدنى هو الرباط الديني ، ومجرمة في علاقة الصهاينة بالأمة العربية بعدوانهم على الوجود القومي العربي في جزء من الأرض والشعب . وهو يعود - من جهة ثانية - إلى ما تعلّمناه من خبرة سنين طويلة من الاستيطان الصهيوني الذي علّم حتى من لايريد أن يتعلّم أن الصراع الدائر في فلسطين المحتلّة هو صراع عربي صهيوني لاحيلة لأحد في ذلك . وأن هذا الصراع لن يحلّه صندوق الاقتراع ولا خيار " المفاوضات خيار
مارس 16th, 2009 كتبها محب الوطن العربي نشر في , دراسات مهمة,
مارس 7th, 2009 كتبها محب الوطن العربي نشر في , دراسات مهمة,
الديمقراطية والوحدة العربية *
د. عصمت سيف الدولة
1- إن الحديث عن «الديمقراطية والوحدة العربية» ليس حديثا عن كل من الديمقراطية والوحدة العربية، بل هو حديث عن كل منهما وعن العلاقة بينهما، وهذا موضوع ثالث. ثم إن الحديث عن الديموقراطية والوحدة العربية، والعلاقة بينهما في نطاق العنوان الشامل: «أزمة الديمقراطية في الوطن العربي» يمد الحديث - حتى يكون قابلا للفهم -إلى موضوع رابع هو أزمة الديمقراطية في الوطن العربي. ولقد كان هذا قمينا بأن يفسح للحديث مجالات واسعة لولا أنه قد جاء في الدعوة إليه «توجيه» يعرّف بمضمون الحديث قبل أن يحدث. يقول التوجيه: «بحث في علاقة الديمقراطية (حضورا وغيابا) بمسيرة التضامن العربي والوحدة العربية والقدرة العربية على الاستجابة الفعالة للمخاطر والتحديات التي تحيط بالوطن العربي. كما يتعرض البحث لبعض المقولات عن ضرورة الوسائل الديمقراطية، والمحتوى الديمقراطي لأي عمل عربي توحيدي في المستقبل» فضاقت مجالات الحديث بعد أن كانت قد فرجت وكاد التوجيه أن يكون تلقينا.
يضاف إلى هذا أن كلمات مثل «الديمقراطية» و«الدولة» و«الوحدة» و«الأزمة» و«التضامن» و«القدرة» و«الاستجابة» و«الفعالة» و«التحديات»… الخ، ليست ذات دلالات قاطعة للخلاف أو مسلمة. ويضاف إليه أيضا أن أكثر المفاهيم التي تقع في نطاق الحديث عن الديمقراطية والوحدة العربية - حتى يكون قابلا للفهم - مثل «مفاهيم الديمقراطية في الفكر السياسي الحديث» و«تطور مفاهيم الديمقراطية في الفكر العربي الحديث» و«أنظمة الحكم في الوطن العربي» و«الممارسة الديموقراطية في الأحزاب والمنظمات الجماهيرية» و«الآثار القطرية لغياب الديمقراطية» و«العلاقة بين القومية والديمقراطية»… الخ، عناوين لبحوث يقوم على إعداد كل منها باحث جليل حاله كحالنا في الجهل بما يعده الآخرون.
إذا أضيف هذا إلى ذلك إلى ما قبله حدّ من عدد الكلمات وقيد من الوقت المتاح، لا يلومن أحدا إذا فكر الأخير في الحدود فتعثر فكره في القيود فغاب أو إعتذر. وإذا تحولت البحوث إلى أقاويل مكررة وتحول الحوار إلى مناظرة، وخرجنا من ندوة يرجى من ورائها الإتفاق أكثر خلافا مما كنا حين دخلناها.
2- لم أعتذر عن عدم المشاركة والحديث فلست معتذرا عما قد أجاوز به بعض الحدود، وأتحرر به من بعض القيود لمجرد أن يكون حديثي قابلا للفهم لا أكثر.
أولا : عـن الديمقراطيــــة
1- ما تزال البداية التقليدية في الحديث عن الديمقراطية هي تعريفها آنا بأنها حكم الشعب، وآنا بأنها حكم الشعب بالشعب، وآنا بأنها حكم الشعب بالشعب لمصلحة الشعب. والواقع أن تلك التعاريف تعبر عن مراحل تطور مفهوم الديمقراطية.
2- ففي الأصل كان يقال إن الديمقراطية هي «حكم الشعب» ترجمة لأصلها الإغريقي. في هذا التعريف كان الشعب هو الفاعل، أي هو الذي يحكم نفسه حكما مباشرا بأن يجتمع المواطنون ويشتركون في مناقشة مشكلات مجتمعهم، ويتخذون القرارات اللازمة لحل تلك المشكلات لتكون بعد هذا ملزمة للكافة في سلوكهم فتتحول إلى واقع. كان هذا النظام سائدا في عصر الحضارة الإغريقية ولم يكن مقصورا على بلاد الإغريق. فكما كان مطبقا في أثينا الإغريقية كان مطبقا في ايطاليا وفي أسيا الصغرى وفي جنوب فرنسا حيث اليوم، نيس ومرسيليا وعلى الشاطئ الشرقي لشبه جزيرة أبمبريا (إسبانيا) وفي صقلية. بل طبق في مصر الفرعونية وفي عهد البطالمة وتحت حكم الرومان من بعدهم. فقد أنشأ بسماتيك، فرعون مصر(من الأسرة السادسة والعشرين 663- 525 ق م) في دلتا النيل «مدينة» سماها «نقراطيس» وأنشأ بطليموس الأول في صعيد مصر، قرب قنا، «مدينة» حملت إسمه «بطليموس» وأنشأ الإمبراطور الروماني هادريان الذي حكم مصر عام 130 بعد الميلاد «مدينة» أخرى سماها «أنتيموبوليس» (1).
يطلق الآن على هذا النظام إسم «الديمقراطية المباشرة»، ويقال عادة إن مبرر نشوئه هو ملاءمته لمجتمع صغير محدود في المكان فيما يسمى سياسيا «مدينة» (تسمى حاضرة من حيث هي محل إقامة)، حيث يستطيع المواطنون الإجتماع معا في مكان واحد. وهو قول لا يبرره التاريخ فمع أن « المدينة» كانت هي المؤسسة السياسية في عهد الإغريق، التي تقابل الدولة الآن، إلا أن الديمقراطية المباشرة لم تكن مطبقة في كل المدن. كانت في أثينا ولم تكن في إسبرطة مثلا. وعندما صنف أرسطو الإغريقي نظم الحكم تصنيفه المعروف إلى حكم الفرد (الملكي) وحكم الصفوة (الأرستقراطي) وحكم الشعب (الديمقراطي) كان يصنفها إلى أنماط من الحكم قابلة جميعها للوجود داخل المدن تبعا لظروف كل مدينة (2). إنما المبرر المميز للديمقراطية بمعنى حكم الشعب كان قيامها على أساس من الحرية والإشتراك في ملكية المجتمع .
أما عن الحرية فتعني أولا تحرر المجتمع نفسه من أية تبعية لقوة من خارج «المدينة» وهو ما يعبر عنه الآن بالإستقلال. وقد كان هذا الإستقلال يبلغ في بعض المدن حد القطيعة أو المقاطعة. ومثالها إستقلال مدينة نقراطيس في دلتا النيل ومدينة بطليموس في صعيد مصر عن مصر ذاتها إلى درجة تحريم زواج المواطنين فيهما من مصريات (3). كما تعني الحرية - ثانيا- حرية المواطنين داخل المدينة - فلم يكن حق الإشتراك في مناقشة مشكلات المدينة وإتخاذ القرارات اللازمة لحلها مخولا إلا «للمواطنين». ولم يكن حق “المواطنة” معترفا به إلا “للأحرار” من السكان. وهكذا نجد أنه في أواخر القرن الخامس قبل الميلاد كان عدد من لهم حق حضور الإجتماعات الشعبية في أثينا نحو 43000 بينما كان من بين سكانها 115000 من الرقيق المستعبدين لأنهم لم يكونوا أحرارا.
أما عن الإشتراك في ملكية المجتمع (المدينة) فآيته أن حق الإشتراك في إجتماعات المجالس الشعبية ومناقشة مشكلات المدينة وإتخاذ القرارات اللازمة لحلها لم يكن مخولا إلا لمن له أهلية التملك أو للملاك بصفة عامة. فكان من المستبعدين كل النساء وكل العمال وكل المستوطنين الغرباء (كان عددهم في التاريخ الذي أشرنا إليه نحو 28000)، وعدد كبير من الذين كانوا يمارسون التجارة(4).
3- فكانت الديمقراطية بمعنى حكم الشعب تمثل بالنسبة إلى المواطن في المدينة حريته الشخصية من ناحية وحقه في مجتمعه من ناحية أخرى ولم تكن بالنسبة إليه مجرد “رخصة” للإجتماع بالمواطنين و”فرصة” لإبداء الرأي فمن بين 43000 مواطن في أثينا لم يزد عدد الحاضرين في أي اجتماع عن ثلاثة آلاف (5). ومع ذلك فإن المواطنين جميعا كانوا يعتبرون الإعتداء على الديمقراطية إعتداء على حياتهم ذاتها. وكانوا يعبرون عن هذه الصلة بالقسم الذي يفتتح به أول إشتراك في الإجتماع الشعبي. كان كل مواطن يقسم على “أن أقاتل بالكلمة والرأي وباليد وبالفعل، إذا إستطعت كل من يحاول قلب نظام الحكم الديمقراطي في أثينا، فإن نجح الإنقلاب فأقسم أن أقتص من كل من إنحاز إلى الطغيان أو ساعد الطاغية. فإذا ما سبقني إلى قتله مواطن غيري فأقسم على أن أشهد ببراءته أمام الآلهة على أساس أنه إنما قتل عدوا للشعب وأن أبيع كل ممتلكات الطاغية القتيل وأعطي نصفها لقاتله بدون مقابل . وإذا ما هلك مواطن وهو يقاتل أولئك الخونة أو يحاول قتلهم فأقسم على أنني سأمجده كما سأمجد ذريته كما فعل الشعب مع هارموديوس وأريستوجيتون وذريتهما. كما أقسم على أن ألغي وأبطل كل يمين ولاء صدر في أثينا للقوات المسلحة ولغيرها من أجل مناصرة الإستبداد بالشعب الأثيني” (6) .
4- في مرحلة تاريخية لاحقة، بدأت في القرن السابع عشر وما تزال قائمة لم تنقض تماما، أصبحت الديمقراطية هي “حكم الشعب بالشعب”. ونلاحظ هنا أن الشعب قد تحول من حاكم إلى محكوم. ولكن الحاكمين يحكمونه “به” أي يستمدون سلطة حكمهم منه كما يقولون. وكان ذلك تعبيرا دقيقا عن الديمقراطية النيابية التي يسمونها “غير مباشرة” ويسميها بعض علماء النظم السياسة “الديمقراطية المحكومة” (7).
فقد اندثرت المدن وإنتهى عصر الرق وتلاشت الحضارة الإغريقية في ظلمات القرون الوسطى وأصبح الحكم لمن يختاره الله إختيارا مباشرا عن طريق الكنيسة (نظرية الحق الإلهي أو نظرية آباء الكنيسة) أو يوجه الناس بعنايته ليكون حاكما لهم (نظرية العناية الإلهية) وأصبحت الأرض إقطاعيات وممالك وإمبراطوريات مملوكة للأمراء والملوك والأباطرة ملكية خاصة بمن فيها وما فيها تشاركهم فيها وتنازعهم عليها الكنيسة. وأصبح البشر “رعايا” بعد أن كانوا مواطنين. وما تزال كلمة “رعية” في اللغات ذات الأصل اللاتيني تحمل نسبتها إلى “الخراف الضالة” التي جاء السيد المسيح لرعايتها. وإستمر هذا الوضع حتى نهاية عصر الإقطاع وبداية عصر النهضة وصعود البورجوازية (يؤرخون لنهاية عصر الإقطاع بعام 1453 وهو العام الذي فتح فيه المسلمون القسطنطينية وسقطت فيه الإمبراطورية البيزنطية وظهرت فيه المدرسة الفكرية المسماة “الرشدية” في أوروبا نسبة إلى ابن رشد المفكر العربي الأندلسي المبشر بمذهب العقلانية) (8) .
5- والبرجوازية طبقة نشأت أساسا من التجار الجائلين الذين ينتقلون من مكان إلى مكان يحملون بضاعتهم على أكتافهم أو على الدواب ويتجولون على أقدامهم فأطلق عليهم لقب “المغفرة أقدامهم” (ما تزال المحاكم التجارية في أنكلترا تحمل هذا الاسم)، حركتهم “جري” وراء الأرباح في أي مكان مجردين من الشعور بالإنتماء إلى أي مكان أو أي مجتمع. إستطاعوا في النصف الأول من القرن الثالث عشر أن “يشتروا” من البابا أنوسنت الرابع فتوى بإباحة الربا إذا كان الإقراض بفائدة من أجل تمويل عمليات تجارية أو صناعية، فاتسع نشاط تلك الطبقة وإرتفع شأنها إذ أصبحت رفاهية أوروبا متوقفة إلى حد كبير على النشاط التجاري. ومع تصاعد دورها الإقتصادي تزايدت “الحقوق” التي حصلت عليها من أفراد الإقطاع. وهي حقوق لم يكن لها مثيل من قبل وإنما إقتضتها العمليات التجارية وكسبها التجار لأنفسهم ثم لطبقتهم فيما بعد.
كان أول ما تحتاج إليه التجارة هو حرية الإنتقال فحصل التجار، في مقابل ثمن، على صكوك تعفيهم من الإستقرار في أية إقطاعية وتحصنهم ضد أي تعرض لهم. وكانت التجارة تحتاج إلى أماكن آمنة تخزن فيها البضائع وتكون مراكز للتوزيع في أركان المدن أو عند مفترق الطرق البرية أو على الأنهار فحصل التجار، في مقابل ثمن، على حق إنشاء محطات تجارية وتحصينها والدفاع عنها عرفت بإسم “الأبراج” (9). وأخذوا منها إسمهم فكانوا “برجوازية”. ولما لم تكن تلك الطبقة منتجة ولا طرفا في علاقة الإنتاج السائدة بين الإقطاعيين والفلاحين فقد أسميت أيضا “الطبقة الوسطى”. وجذبت المراكز التجارية إليها الحرفيين الذين كانوا يقومون بالصناعات من أجل الإستهلاك فانتقلوا إليها وبدأت الصناعة من أجل البيع تجارة. وحين كثر عدد المقيمين في تلك المراكز كان على الفلاحين في الإقطاعيات أن يزيدوا من إنتاجهم الزراعي لمواجهة إحتياجات الطبقة الجديدة فأصبحت الزراعة الأخرى من أجل البيع تجارة لا من أجل الاستهلاك فقط. وفي التجارة يكون الربح هو منظم الإنتاج والتوزيع بصرف النظر عن حاجة البشر إليها. وترتب على هذا زيادة الرقعة الزراعية فاستفاد أمراء الإقتطاع وأصبحوا يشجعون التجار على إنشاء المراكز التجارية في إقطاعياتهم فاستغل التجار “الشطار” هذه الرغبة وإشتروا “الإستقلال الإداري” للمراكز التجارية، التي أصبحت مدنا، عن التبعية الإقطاعية وأصبحوا يديرونها بأنفسهم، فتحولت المدن والمراكز التجارية إلى “مناطق حرة”. وكانت التجارة في حاجة إلى قواعد تعامل ثابتة وواضحة ومحددة وإلى قضاة يفصلون في المنازعات في مواقع قريبة، وإلى رجال يعرفون كيف تصاغ العقود وإجراءات المطالبـــة بالديـــــــون واستيفائها، ولم تكن قواعد العرف السائدة أو نظام الإحتكام إلى السيد الإقطاعي تصلح لكل هذا فاستعارت الطبقة الجديدة القانون الروماني العتيق وأنشأت الجامعات لتدريسه والمحاكم لتطبيقه والقضاة للفصل طبقا له والفقهاء لشرعه والمحامين ليدافعوا به عنهم. وأصبح رجال القانون بجوار أمراء المال الجدد مثل الفرسان بجوار الأمير الإقطاعي فاشترى لهم التجار من الملك فيليب “الجميل” ملك فرنسا لقبا موازيا فأصبح من بينهم من يرسم بطقوس خاصة “فارس القانون” أما الثمن فكان تمويلهم صراع الملك ضد البابا يونيفاس الثامن.
6- غير أن ما كانت البرجوازية في حاجة إليه أكثر من أي شيء أخر هو الحرية الفردية: حرية الإدارة والتعاقد والتملك والربح والتنافس بعيدا عن أي تدخل من أي سلطة. وإذا كان لابد من سلطة فلتكن في أضيق حدود. أو فلتكن وظيفتها - على وجه الدقة - المحافظة على الحرية الفردية وممارستها أي تكون “شرطة” تحفظ الأمن في الخارج والداخل ثم تترك لكل واحد أن ينتقل إلى حيث يريد وأن يفعل ما يريد وأن يكون كل ذلك بأقل “تكلفة”.
ولم يكن وصول البرجوازية إلى هذا هينا فدونه ملوك عتاة محاربون أو متأهلون كانوا يرددون مع لويس الرابع عشر: “الدولة هي أنا”، ومع لويس الخامس عشر قوله: “إن حق إصدار القوانين التي نخضع لها ويحكم بها رعايانا هو حقنا نحن بدون قيد وبدون شك”. وقوله :”إن النظام العام كله ينبع مني، وكل حقوق ومصالح الأمة هي بالضرورة متحدة مع حقوقي ومصالحي وليس لها مكان إلا بين يدي”. وكانت كتب القانون العام في ظلهم تقول:”إن فرنسا دولة ملكية بأوسع معاني الكلمة وفيها يمثل الملك الأمة كلها. ولا يمثل أي شخص آخر، في مواجهة الملك، إلا شخصه. إن الأمة ليست متجسدة في فرنسا بل هي متجسدة بأكملها في شخص الملك ” (10). ومع ذلك فقد انتصرت البرجوازية.
7- ففي انكلترا حينما أراد الملك جان عديم الأرض أن يكون جيشا من المرتزقة يحارب به فرنسا ثار النزاع بينه وبين الأشراف (لأنهم لا يريدون تمويل الحملة) ورجال الكنيسة (لأن البابا أفتى بتحريم تمويل حرب تشن ضد رعاية الكنيسة). وانتهى النزاع بأن فرضوا عليه العهد الكبير (”الماغا كارتا”1215) الذي تضمن شروطا تحد من استبداد الملوك. فبدأ ملوك أنكلترا في التطلع إلى التحالف مع البرجوازية الناشئة. وقد تم هذا عام 1254 م حين دعا الملك هنري الثالث “ممثلين” لكل مدينة أو بندر، وهي مؤسسات البرجوازية، للحضور والجلوس مع ممثلي الأشراف ورجال الدين في “البرلمان”. فألقيت في تربة التاريخ بذرة “ديمقراطية” ذات مفهوم خاص وغريب.
8- إذ في حين لم تكن ثمة صعوبة في أن يختار الملك من يدعوه من الأشراف والنبلاء وكبار رجال الدين المعروفين بأشخاصهم وإمتيازاتهم ووظائفهم كانت دعوة ممثلين عن برجوازية المدن تتطلب طريقة لإختيارهم. فكان الذين يختارونهم يصدرون لهم وكالات مكتوبة متضمنة شروط وحدود ما يقولونه وما يوافقون عليه في البرلمان ويقدمون عنه حسابا إلى الذين إختاروهم. وكان هؤلاء يتحملون مصروفات ذهاب وكلائهم إلى لندن وإقامتهم فيها وعودهم إليها ولما تكن الإقامة طويلة. فلما انعقد البرلمان المسمى “النموذجي” عام 1295 وإمتدت فترة إنعقاده سنوات ضاق الممولون بتكاليف مندوبهم فانقطعوا عن إمدادهم بنفقاتهم فانقطعت التبعية القـــانونية (الوكالة) تبعا لإنقطاع التبعية الإقتصـــــــادية، وبالتالي لم يعد المندوبون وكلاء عن الناخبين بل أصبحوا “ممثلين” وتحرروا من تقديم حساب لمن يمثلونهم فأصبحوا مستقلين. ومنذئذ أصبح المرشحون للجلوس في البرلمان من البرجوازية هم القادرون أولا على مواجهة نفقات الإقامة في لندن مددا طويلة، وثانيا على شراء أصوات الناخبين نقدا أو مصلحة والفوز في حلبة “المنافسة الحرة” قانون الحياة البرجوازي.
وفي عام 1688 حسم الأمر وإستولت البرجوازية على السلطة بالثورة لسبب برجوازي تماما. يقول هارولد لاسكي: “إن ملوك أسرة ستيوارت عرقلوا سبل التجارة بالإحتكارات التي منحوها لأفراد بطانتهم كما سمحوا لانكلترا بأن تجري وراء عربة إسبانيا وبالتالي وراء عجلة فرنسا فكسدت التجارة وأدى تعاقب الحروب إلى زيادة الضرائب فتحولت البرجوازية ضد الملوك مما أسفر في النهاية عن الثورة” (11).
9- لم تختلف نهاية الأمر في فرنسا عنها في أنكلترا. كان الإختلاف في البداية. في انكلترا تحالفت البرجوازية مع الملوك حتى إذا ما صفت سلطة الأشراف والنبلاء ورجال الكنيسة إنقضت على الملوك وإستولت على السلطة. أما في فرنسا فقد تحالفت مع الشعب ضد الملوك والأشراف ورجال الكنيسة حتى إذا ما صفت سلطة الملوك إنقضت على الشعب وإستولت على السلطة. وفي الحالتين إنتهى الأمر إلى سيادة “الديمقراطية النيابية”. فما هو نظامها وإلى أي حد هي ديمقراطية؟
10- كما يفعل كثير من “المثقفين” حين يبيعون عقولهم للحاكمين كان جون لوك فيلسوف الديمقراطية النيابية طبيبا خاصا ثم “تابعا” لسير أنطوني آشلي حتى آخر حياته. وآشلي هو قائد معركة البرجوازية ضد الملك ورائد حزب الأحرار. فلما إنتصرت الثورة عام 1688 و”إطمأن” لوك ذهب يلفق من محتويات كتاب صدر عام 1270 لعبقري فرنسي مجهول إسمه جان دي مونج (12) ومن محتويات كتاب آخر صدر عام 1603 لواحد من أتباع مارتن لوثر إسمه الثوسيوس (13) نظرية كاملة لتبرير الواقع البرجوازي المنتصر ضمنها كتابه الذي نشر عام 1690 تحت عنوان: رسالتان في الحكم وكسب به لقب مؤسس عهد النهضة والتنوير في أروبا.
هذه النظرية سينقلها الى فرنسا ويروج لها فتزوج شارل دي مونتسيكو المحامي الذي ورث ثروة طائلة عن زوجته وورث لقب “بارون” عن عمه فتفرغ للكتابة والتأليف وكان أول أعماله الإشادة بعدالة نظام الحكم في الإسلام مقارنة بنظام فرنسا في قصة نشرها عام 1721 بعنوان رسائل فارسية. ثم سافر الى انكلترا وقام فيها فترة حضر خلالها جلسات البرلمان الانكليزي ثم عاد يحمل كل مؤلفات الانكليز السياسية وعلى رأسها مؤلفات جون لوك. وأنشأ من مادتها كتابا صدر عام 1748 تحت عنوان روح القوانين فاشتهر به وأصبح فيلسوف الثورة الفرنسية التي أشعلتها وقادتها جمعية الطوائف العامة التي دعاها الملك لويس السادس عشر واجتمعت في 5 أيار/ مايو 1789. ويقول عنها فقهاء القانون العام الفرنسيون «إنها لم تكن فالواقع لا شعبية ولا ديمقراطية، بل كانت برجوازية» (14) أو «أنها كانت تحت سيطرة الأقلية الأرستقراطية البرجوازية» (15).
ما هو الجوهري في هذه النظرية ؟
11- ننقل عما قاله لوك في الرسالة الثانية (16) يقول : «إن حرية الإنسان الطبيعية هي ألا يكون خاضعا لأية قوة عليا على الأرض وألا يقع تحت إرادة أي إنسان أو سلطة تشريعية ولا يكون لديه سوى قانون الطبيعة قاعدة يعمل بها» (الفصل الرابع فقرة 22) بهذا يرسي حجر الأساس في مفهوم الديمقراطية البرجوازية الذي سيردده كل البرجوازيين منذ لوك حتى اليوم وهو أن الأصل هو الإنسان الفرد المتمتع بحرية فردية مطلقة خارج المجتمع وفي مواجهته. ولكن «رغم كل المميزات التي يتمتع بها الجنس البشري في حالة الطبيعة سرعان ما ينساق الناس إلى تكوين المجتمعات» (الفصل التاسع فقرة 126 ) فنفهم أن الحريات الفردية سابقة على تكوين المجتمعات وأن الانتماء إلى المجتمع ذاته كان ممارسة لهذه الحرية التي لن يلبث فيلسوف الديمقراطية البرجوازية أن يسلبها منه ذلك «لأن المجتمع السياسي لا يمكن أن يقوم أو يقيض له البقاء إلا إذا كان لديه في ذاته سلطة المحافظة على الملكية ولهذا الغرض تكون لديه سلطة عقاب الجرائم التي يرتكبها أي فرد في المجتمع فهنا - وهنا فقط - يوجد المجتمع السياسي حيث تنازل كل فرد فيه عن حريته الطبيعية وسلمها للمجتمع» (الفصل الرابع فقرة 78).
الفرد هنا لم يعد حرا، بل أصبح مصدر الحرية التي إنتقلت منه إلى المجتمع فنعرف الدلالة التاريخية لمقولة الشعب مصدر السلطات ثم ننتظر لنعرف إلى من آلت تلك السلطات وما مضمونها. يقول لوك «أن السلطة العامة للمجتمع كله فوق كل إنسان يضمه هذا المجتمع والغرض الرئيسي من هذه السلطة هو سن القوانين لكل من يعيشون في ظله وهي قوانين يجب علينا في هذه الحالة أن نطيعها» (هامش الفقرة 78). نتأمل. الحريات الفردية إنتقلت من مصدرها إلى المجتمع فأصبحت سلطة عامة على كل الأفراد أن يخضعوا لها فيما إنتقلت من مصدرها إلى المجتمع من أجله وهو إصدار القوانين. لم يبق إلا أن يقول إن السلطة التي إنتقلت من الأفراد إلى المجتمع لم تستقر فيه، بل إنتقلت إلى البرلمان. ولقد قالها: «إن سلطة التشريع هي التي لها الحق في تحديد كيفية إستعمال قوة المجتمع للمحافظة عليه وعلى أعضائه» (الفصل الثاني عشر فقرة 143).
كيف تتكون سلطة التشريع هذه التي آلت السلطة بعد إنتقالها من الأفراد إلى المجتمع إليها؟… ليس من الشعب بل من «ممثلين يختارهم الشعب في كل مرة ويعودون بعدها إلى حالة الرعايا العاديين ولا يكون لهم نصيب في الدورة التشريعية إلا بعد إختيار جديد فإن سلطة الإختيار هذه يجب أن يمارسها الشعب في أوقات محددة أو عندما يدعى إلى ذلك» (الفصل الثالث عشر فقرة 154).
إنتهت السلطة إلى «النواب» فكيف تكون العلاقة بينهم وبين السلطة التنفيذية (الملك ووزارته) من ناحية وبينهم وبين الشعب من ناحية أخرى. يجيب جون لوك : «وقد يثور هنا سؤال ماذا يحدث إذا كانت السلطة التنفيذية وهي تملك قوة المجتمع تستعمل هذه القوة للحيلولة دون إجتماع الهيئة التشريعية ومنعها من العمل…. وأجيب: إن هذا بمثابة إعلان حرب على الشعب الذي يصبح له في هذه الحالة إقامة هيئته التشريعية من جديد لممارسته سلطاتها» (الفصل الثالث عشر فقرة 155) تستحق هذه الإجابة الوقوف عندها. ففي المفهوم البرجوازي للديمقراطية يبقى الإعتراف بأن الشعب مصدر السلطات كسلاح تشهره البرجوازية ضد السلطة التنفيذية. لهذا لا يقول لوك أن الحيلولة دون إجتماع الهيئة التشريعية بمثابة إعلان حرب على هذه الهيئة بل يقول أنها بمثابة حرب على الشعب، الذي عليه أن يخوض هذه الحرب لا لإسترداد السلطة لنفسه بل لإستردادها للهيئة التشريعية ويبقى - حتى بعد الحرب - مجردا منها.
يتضح هذا تماما من إجابة لوك عن السؤال عن الحل «الديمقراطي» إذا ما حدث أن إستبدت الهيئة التشريعية نفسها بالشعب نفسه. هل يعتبر هذا أيضا بمثابة حرب ضد الشعب، على الشعب أن يخوضها ضد المعتدين؟ لا. يقول : «لا يمكن أن يكون هناك حكم بين السلطة التشريعية والشعب إذا حاولت ( السلطة ) التشريعية بعد أن تستولي على السلطة في يدها أن تعمل على إستبعاده أو دماره فليس أمام الشعب من علاج في هذه الحالة كما في الحالات التي لا يجد فيها قاضيا يلجأ إليه في الأرض، سوى الإلتجاء إلى السماء» (الفصل الرابع عشر فقرة 168).
12- هذا هو جوهر الديمقراطية البرجوازية، أو النيابية، أو الليبرالية فكلها أسماء لمسمى واحد. لم يضف إليه من بعد لوك شيئا يذكر إلا إتقان صياغتها وتقنينها وهو دور لعبه الفرنسيون ببراعة.
فقد كان الإبقاء على الشعب طرفا في العلاقة بالسلطة يبقيه صاحب دور في الحكم حتى لو كان دورا راكدا فهو يمثل مخاطر كامنة ضد الإستبداد البرجوازي فاستغلت البرجوازية التعبير المجرد الغامض الذي كان وسيطا في إنتقال السلطة من الشعب إلى ممثلي البرجوازية ونعني به المجتمع. وكان عليه أن يحولوه إلى «شخص» - طرف ثالث - وأن يسندوا إليه السلطة النهائية فاخترعوا تعبير «السيادة للأمة» ورتبوا عليه أن النواب نواب الأمة يمثلونها ككل وليسوا نوابا عن الشعب الذي أنتخبهم. ثم رتبوا عليه أن السلطة هي ممارسة للسيادة التي للأمة وللأفراد الحرية ولكن السيادة للأمة (مفهوم الأمة هنا مفهوم سياسي لا علاقة له بمفهوم الأمة حين تطلق على مجتمع معين ذي خصائص متميزة).
فنجد أن المادة الأولى من القسم الثالث من الدستور الذي أعلنته الثورة الفرنسية عام 1789 تنص على أن «السيادة واحدة، غير قابلة للتجزئة أو الانتقال ولا تكتسب بالتقادم وهي تخص الأمة وليس لأي جزء من الشعب أو أي فرد أن يدعي ممارستها». ثم أضافت المادة الثانية «إن الأمة التي تنبع منها كل السلطات لا يمكن أن تمارسها إلا من خلال ممثلين».
فيقول موريس ديفرجيه «إن الجمعية قد «اخترعت» نظرية في التمثيل النيابي قائمة على أن السيادة لا تخض المواطنين منفردين ولكن تخصهم كجماعة بإعتبارهم حقيقة متميزة ومنفصلة عن الأشخاص وأن نظرية السيادة الوطنية هذه قد إبتكرتها البرجوازية الليبرالية التي كان هدفها التركيز على النيابة في مواجهة الأرستقراطية من جهة وضد الشعب من جهة أخرى فاستبعدت بها المساهمة الشعبية في الحكم» (17).
ويصف كاريه دي ميلبرغ هذا التناقض بقوله «إنه نتيجة إلتواء ظاهر إنقلبت سيادة الإرادة العامة ضد الذي تصدر عنه حتى تحل السيادة البرلمانية محل السيادة الشعبية وتسلب القرارات التشريعية من نسبتها إلى المواطنين. وهو تناقضٌ أكثر وضوحاً من أن نفترض أن المؤسسين الدستوريين أثناء الثورة لم يفطنوا إليه ولكن أولئك لم يكونوا واقعين تماماً تحت تأثير الأيديولوجيات المجردة التي نلومهم عليها عادةً بل كانوا يريدون الوصول إلى نتائج عملية فأقاموا النظام النيابي مقام حكم الشعب المحكوم بالسكوت»(18).
13- وهكذا نعرف أن الديمقراطية النيابية هي نظام حكم الصفوة أو الأقلية ومصدر حقها في الحكم أنها ممتازة ثروة وذكاء ومرتبطة إرتباطا حقيقيا بالمصالح الوطنية، وكل هذا يجعلها بمنأى عن كل تبعية “مهينة” للإرادة الشعبية (19). ويقول بوردو أيضا أن حركة تحول السلطة من الملك إلى الشعب قد أوقفت في مرحلة معينة حيث تدخلت قوة ثالثة هي البرلمان، وإستولى عليها لنفسه، وأن ذلك هو مميز النظام النيابي فهو نظام “ديمقراطية محكومة”. ويقول الفقيه الإنقليزي بروغس : “إن مجلس العموم هو السيد الأعلى فوق الملك وفوق اللوردات وفوق الشعب”(20). (ذكره رد سلوب - النظام البرلماني). ويقول غاريغولا غرانج الفقيه الفرنسي المعاصر: “لم يكن مبدأ النظام النيابي في حقيقته إلا مبدأ سيادة البرلمان وهي سيادة تواجه سيادة الشعب نفسه الذي أبعد بعناية وعناد عن ممارسة سيادته”(21).
والواقع أن مفكري الليبرالية وديمقراطيتها لم يخجلوا أبدا من الإعتراف بأنهم قد سلبوا الشعب حقه في الإشتراك في الحكم. ففي إنقلترا يقول بلاكستون إن بعض أصحاب النظريات الآخرين قد ذهبوا إلى أن للشعب دائما سلطة عليا تخوله حق إلغاء أو تغيير السلطة التشريعية إذا رأى أنها قد خانت الثقة التي وضعت فيها، ولكن مهما يكن نصيب هذا الرأي من الصحة على المستوى النظري فإننا لا نستطيع الأخذ به في التطبيق ولا أن نوجد أية طريقة قانونية لوضعه موضع التنفيذ… وعلى هذا نستطيع أن نؤكد أن سلطة البرلمان ستبقى مطلقة وغير خاضعة للرقابة” (22). أما في فرنسا فكان التعبير أكثر صراحة وأكثر “فظاظة” أيضا. فهذا مونتسكيو فيلسوف الديمقراطية البرجوازية يقول: “إن هناك عيبا خطيرا في الجمهوريات القديمة وهو أن الشعب كان له الحق في أن يتخذ قرارات إيجابية ويطلب القيام ببعض الأمور التنفيذية أيضا، وهو ما لا طاقة وكفاءة له به. ليس للشعب أن يتدخل في الحكم إلا بأن يختار ممثلين له وهو كاف إلى أقصى حد بالنسبة إليه… لأن الطبيعة البخيلة في منح المواهب لم تمنح إلا لشريحة قليلة من الناس رؤوسا قادرة على الحسابات المعقدة التي يتضمنها التشريع. وبالتالي فكما يلجأ المريض إلى الطبيب، ويلجأ المتقاضي الى محام يلجأ العدد الكبير من المواطنين في شئون الحكم الى من هم أكثر منهم مقدرة وكفاءة” (23). أما إيمانويل جوزيف سبيز عضو مجلس رئاسة الدولة في أول عهد نابليون فيقول: “إن أغلبية مواطنينا لا تتوافر لهم من المعرفة أو الوقت ما يلزم ليريدوا أن يقرروا بأنفسهم في المسائل العامة وبالتالي فإن رأيهم هو أن ينيبوا عنهم من هم أقدر منهم بكثير في إتخاذ القرارات” (24). وهو القائل أيضا: “إن الديمقراطية الخالصة (بمعنى حكم الشعب نفسه) ديمقراطية وحشية “(25).
14- ولقد تفنن الليبراليون في إبتكار الأساليب التي تنظم ممارسة سلطة البرجوازية فوق الشعب، وبعيدا عنه، وفيما بينهم. وكان مما إبتكروه مبدأ فصل السلطات، الذي يحد من تدخل السلطة التنفيذية في شؤون الأفراد أو يحصر تدخلها في أضيق نطاق. إبقاء على حجر الزاوية في النظام كله: الحرية الفردية. فالبرجوازيون أصحاب السلطة هم الذين يضعون القوانين (السلطة التشريعية) وهم الذين يختارون قيادة السلطة التنفيذية (الحكومة) ويراقبونها (الرقابة البرلمانية) ويسائلونها(المسؤولية الوزارية) ويعزلونها (سحب الثقة) فإن ثار خلاف حول تطبيق القوانين يحتكم في أمره إلى سلطة ثالثة مستقلة (السلطة القضائية)… ولكن كل هذا يدور في القمة بعيدا عن الشعب المحكوم عليه بأن يخضع للقوانين وينفذ أوامر الحكومة
ويحترم أحكام القضاء بدون مشاركة فعلية من أي نوع لا في التشريع ولا في التنفيذ ولا في القضاء.
15- سلبت البرجوازية - إذن - حق الشعب في أن يشترك في إتخاذ القرارات التي تتصل بحل مشكلات المجتمع وهو أحد ركني الديمقراطية، بقي ركن المشاركة في المجتمع ذاته. وهذا كانت قد سلبته منذ أطلقت حرية التملك الفردي من كل قيد وجعلت كل ما يتضمنه المجتمع من إمكانات مباحا لمن يستطيع أن يستولى عليه لنفسه في سباق “المنافسة الحرة”. على هذا الأساس قام النظام الاقتصادي البرجوازي المسمى “الرأسمالية” الذي أدى، ويؤدي، إلى أن يتملك أفراد من الشعب كل المجتمع فرادى وليس شركاء، ويجرد باقي أفراد الشعب من أي مضمون عيني لعلاقة إنتمائهم إلى الوطن المشترك. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، أدى ويؤدي، إلى إنعدام المساواة بين الناس من حيث هم بشر، بأن يضيف إلى قيمة، وقوة، ووزن كل فرد ما يملكه كل فرد من قوة إقتصادية، ثم يطلقهم في حلبة المنافسة الحرة متساوين في الفرص- ربما- ولكن غير متساوين في المقدرة الفعلية على كسب تلك الفرص فأصبح الفوز مضمونا - مقدما- لمن هو أكثر مالا. يقول موريس ديفرجيه أن البرجوازية قد أقامت نظاما للقيم على أساس الثروة ولكنه في هذه المرة صريح في أن المال هو مصدر القوة وليس مميزا لها فقط. لقد كانت الأرستقراطية البائدة تعشق الثروة ولكنها لم تتفاخر بها علنا على الأقل. أما البرجوازية فتتباهى بوقاحة بأن المال هو كل شيء ولا تكف عن تمجيده(26). ويقول شومبيتر:”إرتقت البرجوازية التجارية والصناعية على أنقاض السادة الإقطاعيين بفضل مهارتها في شؤون المال. وقد صنع المجتمع البرجوازي في شكل إقتصادي محصن. وأرسيت أسسه وقامت عمده وبنى هيكله من مواد إقتصادية. أما البناء بمجموعه فهو بناء حياة إقتصادية الخطأ فيها مالي والجزاء فيها جزاء مالي. يمتاز فيها من يكسب ماليا ويخطئ فيها من يخسر ماليا”(27). وفي عام 1840 عرض إقتراح على البرلمان الفرنسي بإلغاء أو تخفيض الشرط المالي لحق الانتخاب وكان لمن يدفع ضريبة سنوية لا تقل عن 200 فرنك فعارض فرانسوا جيزو قطب البرجوازية الفرنسية حينئذ. قيل له إن بقاء هذا الشرط سيبقي على إحتكار الأغنياء لحق الإنتخاب قال:”اغتنوا إذن” فذهب مثلا لمفهوم الديمقراطية البرجوازية الليبرالية .
16- وهكذا نرى كيف أن تعريف الديمقراطية بأنها حكم الشعب “بالشعب” ليس إلا تزييفا برجوازيا للديمقراطية يقوض ركنيها المشاركة في المجتمع وإمكاناته المتاحة والمشاركة في اتخاذ القرارات المتصلة بحل مشكلاته. لهذا لم يكن غريبا أنه بعد قرون من التطبيق يندب الديمقراطية فقيه فرنسي معاصر فيقول:”إن مأساة الديمقراطية كامنة في أنها لم تستطع أن تحقق الديمقراطية”(28). ويكتفي فقيه فرنسي معاصر أيضا “بأن تكون الديمقراطية مثلا أعلى يوجه ويقود البشر وليس نظاما للحكم”(29).
ثانيا: لماذا الديموقراطية؟
17- لن نعرف ما هي الديموقراطية قبل أن نعرف “لماذا” الديموقراطية. ذلك لأنه لا يمكن المفاضلة بين أساليب الممارسة الديموقراطية عامة أو بين نظام الديموقراطية المباشرة والنظام النيابي على وجه خاص إلا بردها إلى أصل تقاس عليه ويكون مناط التفاضل بينها ما تسفر عنه المقارنة من إقتراب أو إبتعاد عن الأصل (30). وان لي جوابا مختصرا وأحيل في التأصيل والتفصيل الى كتب متتابعة ومنشورة (31).
خلاصة هذا الجواب أن المدخل الصحيح الى الديموقراطية هو “المجتمع” ذلك لأن الإنسان “الفرد” بدون مجتمع محال. وعندما يولد أي إنسان يجد نفسه ثالث ثلاثة وعضا في مجتمع صغير محدد الأشخاص والمكان والزمان من قبل أن يولد ويبقى هكذا بصرف النظر عما إذا كان يعي انتمائه أم لا يعيه. وحينما يشب ويعي يدرك أن إنتمائه إلى مجتمعه صلة موضوعية تاريخية غير متوقفة وجودا وعدما على إرادته. كما يدرك أنه ليس “إجتماعيا يطبعه” كما كان يقول أصحاب نظريات العقود الاجتماعية الوهمية في أروبا من أول توماس هوبز حتى جون جاك روسو، بل انه اجتماعي بالضرورة. ثم يدرك - ربما بعد وقت طويل وتجارب معقدة- أن ما يحول الأفراد الى مجتمع ليس اجتماعهم معا في مكان واحد ولكن اشتراكهم معا في واقع موضوعي واحد يتوقف إشباع حاجاتهم المادية والفكرية والروحية على الإمكانات المتاحة فيه المشتركة فيما بينهم وعلى عملهم المشترك في تحويل الميتافيزيقة القائمة على أساس الانسان الفرد خارج مجتمعه أو في مواجهته مثل الحريات الطبيعية والحقوق الفردية، وحرية الإرادة… وما ينسج من خيوطها من مفاهيم للديموقراطية. إنها كلها حريات وحقوق إجتماعية.
هذا المجتمع، وأي مجتمع، ظاهرة تخضع - مثل كل الظواهر- لفاعلية سنن لا تتبدل أو قوانين حتمية ذات وجود موضوعي مستقلة عن معرفة الأفراد فيه وإن كانت قابلة للمعرفة. منها قوانين عامة شاملة كل الأنواع بما فيها الإنسان مثل الحركة المستمرة والتأثر والتأثير والتغير الذي لا يتوقف. ومنها قوانين نوعية تضبط - بالإضافة الى فاعلية القوانين العامة- حركة كل نوع على حدة. وأن كل شيء يتحول(يتغير تلقائيا) نتيجة فاعلية هذه القوانين ثم تتميز المجتمعات بأنها (تتغير إراديا وغائيا) بفعل قيادة الناس فيه لحركته طبقا لقوانينه وفي حدود إمكاناته لتحقيق الإشباع المطرد لحاجاتهم المتجددة أبدا وهو ما نسميه “التطور الاجتماعي”.
يواجه الناس في هذا المجتمع، وأي مجتمع، تناقضا كامنا في المجتمع نفسه بين تعدد الأفراد فيه وبالتالي تعدد حاجاتهم ووحدة مصدر إشباعها. ولن تكون ثمة أية مشكلة إذا ما كان مصدر الإشباع فائضا عن كل الحاجات مثل الهواء. وإنما المشكلة تثور حينما تكون مصادر الإشباع المتاحة غير كافية لإشباع كل حاجات الناس في المجتمع. هنا لابد من “نظام” لكيفية إشباع حاجات الأفراد مما هو متاح فعلا في زمان معين والإعداد لمواجهة الحاجات المتجددة. وهنا ترد مشكلة المشكلات في أي نظام إجتماعي ومفتاح حلها في الوقت ذاته. وهي أنه مادامت الإمكانات المتاحة ذات واقع موضوعي متعين فإن “النظام الموضوعي” الصحيح لتوظيفها في الإشباع “الممكن” لحاجات الناس في زمن معين يكون متعينا موضوعيا سواء عرفه الناس أم لم يعرفوه. إذا أطلقت المنافسة بين الناس ليحصل كل واحد منهم على ما يستطيع لإشباع حاجاته الخاصة فهو ليس نظاما، بل فوضى لن تلبث أن تؤدي إلى صراع قد يمزق المجتمع نفسه. ما الحل إذن؟
إكتشاف “النظام الموضوعي” والإلتزام به. وهذا يقتضي أولا: إكتشاف ما يحتاجه كل فرد طبقا لتقديره هو بصرف النظر عن قابلية حاجته للإشباع أم لا. ثانيا: إكتشاف رأي كل فرد في كيفية إشباع حاجته من الإمكانات المحددة والمتاحة سواء صح هذا الرأي أم لم يصح. ثالثا: تحديد أكثر الحاجات قابلية للإشباع طبقا للإمكانات المتاحة. رابعا: إلتزام الجميع بهذا الحل بالمشاركة في تحقيقه بالعمل في الواقع.
يدرك الناس هذا النظام أم لا يدركونه، يأخذون به أو لا يأخذون، يبقى هو النظام الصحيح المحدد موضوعيا بالواقع الموضوعي للمجتمع ذاته. وبالتالي فإن صوغه في قانون وضعي ملزم يكون هو النظام “الديموقراطي” ذاته. وكل نظام وضعي يقال له ديموقراطي لا يستحق هذا الوصف إلا بقدر ما يقترب أو يطابق هذا النظام الموضوعي لحل مشكلة موضوعية لا حيلة لأحد فيها هي التناقض بين تعدد الأفراد ووحدة المجتمع.
نطبق:
18- إذ يبدأ تصور الإجتماعي بالمعرفة المشتركة للمشكلات الإجتماعية تتوقف قيمة أي تنظيم للتطور على مدى “صحة” معرفة الجميع بمشكلات حياتهم. ولا تمكن معرفة المشكلات إلا عن طريق تعبير الناس عنها كما يحسونها من أنفسهم. لهذا يكون الأساس الأول للديموقراطية هو حرية التعبير والشكوى والعلم بمشكلات الناس بدون قيد. وكلما إستطاع كل إنسان في المجتمع أن يعبر عما يريد (عن حاجته) وكل ما كانت إمكانات تبادله المعرفة بما يريده الآخرون أوسع وأشمل كان من الممكن إدراك المشكلات الإجتماعية إدراكا صحيحا. ولهذا وجهان: وجه سلبي يتمثل في رفع أسباب الخوف عن الإنسان. ووجه إيجابي يتمثل في أن تطرح جميع المشكلات وآراء الناس كما هي بدون تزييف أو تشويه أو تجميل.وأن يكون في مقدور أي إنسان في المجتمع أن يقول ما يريد وأن يعلم ما يريد بدون خوف أو تضليل. هذا هو الأساس الأول للديموقراطية قبل أن تصبح تنظيما للإستفتاء والإنتخاب ومجالس قد تنعقد وتناقش وتنفض. وبدونه يصبح أي شكل ديموقراطي فارغا من أي مضمون حقيقي وغير مجدي. لهذا لا يمكن - مثلا- الحديث عن الديموقراطية في ظل النظام الرأسمالي وما يفرضه على العاملين من تبعية إقتصادية حيث يعيش العاملون في خوف دائم على أرزاقهم اليومية وحيث تنفق الملايين لإخفاء الحقائق وتظليل الناس عن طريق برامج التعليم وإحتكار الصحف ودور النشر والإعلام والدعاية المنظمة لتزييف وعي” الرأي العام “. كما لا يمكن الحديث عن الديموقراطية في ظل القهر والبطش والإستب
فبراير 21st, 2009 كتبها محب الوطن العربي نشر في , دراسات مهمة, غير مصنف,
(1)
عود على بدء :
منذ زمن بعيد ، ونفر من الشباب العربي ، منهمك في الحديث عن ” الناصرية ” وماهيتها ، حاضرها ، ومستقبلها ، والحديث عن عبد الناصر ، لا يقتصر أثره على أطراف الحديث ، والحوار ، والخلاف ، والاتفاق ، وحسب … ، وإنما يمتد أثره ، طولاً ، وعرضاً ، في الأرض العربية ، فالرجل ، كان أكبر من المجموعات ، والشلل التي حملت أسمه حياً ، وتلك المجموعات ،للأسف الشديد ، لا تزال أصغر ، من ، أن تغطي المسافات التي يفرشها ظله ، غائباً .
وهذا الانهماك ، بالحديث عن عبد الناصر ، له ما يبرره موضوعياً ، لو أنه اتجه بالفكر ، والحركة ، باتجاه تحقيق الأهداف ، التي عاش ، وقضى الرجل ، الفذ ، لتحقيقها . لكن ما حصل ، وما يحصل ، ابتعد بدرجة كبيرة عن جوهر المسألة ، وتحول إلى “لغو” لا طائل وراءه ، ووصلت الأمور إلى ذروة المأساة ، عندما حاول أطراف هذا “اللغو” أن يشهروا ” دكاكين ” في الوطن العربي ، تتصدرها صورة الرجل ، ثم يبتدع كل منهم ” عبد الناصر ” على مقاسه ، ويصبح ما عداه ، ليس ” ناصرياً ” ، وتحول ، هذا كله ، إلى ركام ، يغلق الطريق الصحيح ، إلى الرؤية الصحيحة.. ، يغلق الطريق ، ليس ، إلى فهم ظاهرة عبد الناصر ، ووضعها في سياقها التاريخي ، وحسب ، وإنما ، أدى ، إلى تغييب مساحات واسعة ، من الشباب العربي ، عن ساحة الفعل الثوري ، الجاد ، في الواقع العربي ، لتغييره ايجابيا ، فتحول أولئك ” الناصريون جداً ” إلى شلل ، ومجموعات ، تكفرّ بعضها ، بعضاً ، ويهدر البعض ، دماء البعض الآخر ، ويفتك بعضها ، بالبعض الآخر ، فتكاً شديداً ، وتحولوا إلى طوائف ، شديدة الشبه ، بتلك الطوائف ، التي نبتت ، إبان الثورة العربية التوحيدية الأولى ، وتحول عصرهم ، إلى عصر ، شديد الشبه ، بعصر ، تلك الطوائف ، الذي سمي ، في ذلك الوقت ، عصر الانحطاط العربي ، حيث الأرض مباحة لكل طامع أجنبي ، وحيث عقل الشعب مباحاً ، لكل مشعوذ ، وأفاقّ ، وصولاً إلى الغزو الثقافي الواسع ، الذي أتى على ما تبقى من ايجابيات الثورة .
كل هذا ، وذاك ، حصل بالأمس ، ويحصل الآن ، بينما كهنة تلك الطوائف السالفة ، والمعاصرة ، يدقون الطبول ، وينفخون الأبواق ، تصنيماً ، لهذا ، أو رجماً ، لذاك . لكن ، وحتى لا نبدو ، وكأننا نقسم الأحداث ، تقسيماً تعسفياً ، لا بد من الاعتراف ، أن ما يجري داخل ” الشلل الناصرية ” لا ينحصر داخلها ، وإنما يمكن تعميمه ، لهذه الدرجة ، أو تلك ، على الخريطة السياسية العربية ، من أقصى اليمين ، إلى أقصى اليسار .
وأكاد ، لا أجد ، على الخريطة السياسية العربية ، حزبأ ، أو حركة ، أو تجمعا ، أو مجموعة ، لا تفتك فيها ، جرثومة التفتيت ، والارتداد ، إلى الأصغر .. ، فا لأصغر .. ، وصولاً إلى الفردية .
فالشعب العربي ، يمر الآن بمرحلة ، من تلك المراحل الخطيرة ، التي تمر فيها الشعوب ، عندما يتهدد وجودها ، تهديداً شديداً ، حيث ينظر العربي ، إلى ما يجري حوله ، مشدوهاً ، ثم يتملكه الخوف من الحاضر ، ومن المستقبل ، فكل ما يجري حوله ، مخيف ، يدفعه للارتداد ، لا شعورياً إلى ، ما يتوهم ، أنه بيت الأمان الضيق ، الذي يتقلص مع الأيام إلى الأصغر ، فالأصغر ، بينما تتصاعد شكوكه بالآخرين ، أكثر ، فأكثر ، ويؤدي هذا كله ، إلى حالة فردية ، إلى حالة ، لا مجتمعية .. لا إنسانية .وهذا كله ، يفتح الطريق واسعاً، أمام الغزو الخارجي ، ممثلاً ، بأية عصابة، أو قرصان … ممثلاً ، بأي مشروع ، أو مخطط ، أو خريطة ، لتفرض على الأمة العربية ، قهراً ، وليسود هذا العصر ، الشديد الانحطاط ، الذي نحيا ، حيث الوطن ، بخبطة قلم ، وببعض الأسر ، والعصابات الصهيونية ، وغير الصهيونية ، منقسم إلى عشرات الأجزاء ، إضافة إلى أجزاء ، امتدت إليها ، يد الجوار ، شرقاً ، وشمالاً ، وجنوباً … وحيث الشعب العربي ، منقسم إلى مئات ، بل آلاف الأجزاء .. ،وحيث ، لكل الانتماءات الانعزالية ، في الوطن العربي ، وجود مادي فعال ، ثقافي ، وفكري ، ومسلح ، بينما ، الانتماء للأمة الواحدة ، للوطن الواحد ، مجرد مشاعر ، عند البعض ، وحلماً ، عند البعض الآخر العاجز ، حتى الآن ، عن تجسيده بمؤسسة ، تسعى لتحقيق الحلم ..
إنها صورة مأساوية ، لواقع مأساوي … أدى إلى فراغ سياسي حقيقي في الوطن العربي ، مما أتاح المجال لأفكار ، وقبائل الجاهلية ، أن تسود . وهذا واقع مثالي ، ليتحول القراصنة الذين يغتصبون الأجزاء العربية ، إلى أصنام ، وآلهة ، يفرضون ، وحواشيهم ، على الشعب العربي ، مالا يخطر ، ببال أحد ، من القهر ، والتعسف ، والتسلط ، والهيمنة ، والنهب ، حيث يصبحون ،هم ، أصحاب الأرض ، والثروة ، والناس ، وحيث السواد الأعظم ، من الشعب العربي ، كعبيد روما ، يبحث عن فتات موائد النبلاء ، وصولاً إلى هذه المفارقة التي نحيا ، وهي ، أن الشعب العربي ، الذي يملك من الثروات المادية ما يكفي لأن يحيا حياة لائقة ، وأن يمد يده ، لمساعدة شعوب أخرى كثيرة في العالم ، على الأقل .. هذا الشعب ، مربوط ، الآن ، من أمعائه ، لا يعرف كيف يؤمن مستلزمات الحد الأدنى المطلوب للحياة .. هذا الشعب ، الذي يحاصر بلقمة العيش ، ويعصر ، عصراً ، إلى أن ينزل إلى الشارع صارخاً ، نادباً ، فتلاحقه قوى فرض النظام ، والقانون ، وترتكب بحقه من المجازر ، ما يكفي ، لأن تخمد ثورته إلى سنين أخرى قادمة ، ثم يطلق على تلك ” الفورة ” .. ” مظاهرات الخبز ” .. أو مظاهرات الجوع ” … ! !
أليس غريباً ، أن الشعب العربي ، الذي ترتكب بحقه جرائم لا حصر لها ، من أول التسلط ،والقهر ، إلى آخر التسلط ، والطرد من الأرض ، وصفقات التنازل عن أرض الوطن للأعداء ، والطامعين ، يحاصر ، ويفتك فيه ، من الاتجاهات ، كلها ، ثم يتم تجويعه ، فلا يتظاهر ، إلا من اجل لقمة العيش … ؟ !! يحاصر بعدها ، بتساؤلات التشكيك ، بكل شيء ، وعوضاً عن ، أن يبحث العربي ، في الواقع الموضوعي ، عن أسباب الخلل ، وكيفية مواجهة ما يجري ، يحدق كل عربي ، بالآخر العربي ، باحثاً فيه ، عن عصب موروث ، عن طائفة ، أو مذهب ، أو قبيلة ، ليصبح عدواً له ، شاء هذا الآخر أن يقبل تلك العداوة ، أم لا ، وتحولت ” الباطنية ” التي فرضتها عصور الخوف على بعض المذاهب القليلة ، لتصبح منهج الجميع ، مع الجميع … هذا كله ، أدى ، ويؤدي إلى تثبيت هذا المناخ ، الذي لا يمكن ، أن يتيح التنفس ، لأي تحرك سياسي ، عقائدي جاد .. وهذا هو المطلوب ، لأصحاب هذا الواقع السوداوي الراهن ، وللمستفيدين من استمراره . فانتشرت في الوطن العربي ، فتاوى أهدار دم البعض ، من قبل البعض الآخر ، حتى أصبحنا ،نكاد ، لا نجد عربي ، غير مهدور دمه ، من عربي آخر ، بينما الأرض العربية ، مباحة ، والشعب مستباح ، لقوى تستثمر الذين يهدرون الدماء ، والذين تهدر دماءهم ، في آن واحد …
نقول هذا بداية ، حتى لا يبدو الحديث عن ” المسألة الناصرية ” ، وكأنه حديث ، عن مسألة منعزلة عن الواقع الذي نشأت فيه … فالسؤال من هو ” الناصري ” . ؟ قابله ، ويقابله سؤال داخل “كل تجمع سياسي عربي ” من هو ، أي ، أحد .. ؟ وكما تعددت الإجابات ، هنا ، وتناقضت ، وتناحرت ، ودخلت باب السفسطة ، حصل الشيء ذاته ، هناك ، بنسب مختلفة ، وحسب ظروف كل حالة ، على حدة .
(2)
وحتى لا يخرج هذا الحديث عن دائرة العنوان الذي اختاره لنفسه ، دعونا نحاول الإجابة على السؤال الهام : لماذا الحديث في هذا الموضوع الآن ، خاصة ، وأن الذي يتحدث ، نأى بنفسه عن الخوض في هذه المسألة ، حتى عندما كانت في مرحلة الذروة … وحتى عندما حملت بعض الشلل شهادات ” الانتماء للناصرية ” .. وشهادات ” الطرد من الناصرية ” توزعها على من تشاء ، كما كان يفعل الولاة العثمانيون ، عندما كانوا يمنحون رتب الباشوية ، والأفندية ، لمن يشاؤون ، ويوزعون ، في الوقت ذاته ، شهادات الارتداد ، والكفر بالله ، والإلحاد ، على من يشاؤون ، حسب ما تقتضي مصلحة الباب العالي ، بل وصلت الأمور بالبعض ” الناصري جداً” إلى درجة توجيه السؤال المباشر : هل أنت ناصري .. ؟ ولم أعرف في ذلك الوقت ، ولم أعرف إلى الآن ، ما قيمة الإجابة ، بالنفي ، أو الإيجاب ، وكأن ” الناصرية ” ، هي أمر مباح ، لمن يدعيه …. وكأنها ، ليست تعاملاً فعالاً مع الواقع ، لتغييره باتجاه الهدف ، الذي قضى جمال عبد الناصر من أجل تحقيقه … والأغرب من ذلك ، كله ، أن البعض سطر المقالات ، والكتب لدحض “ناصرية فلان” ، أو إثبات “ناصرية علان” .. يحيط بهذا كله ، أجواء من المناقشات ، أو على الأصح ، من اللغو الفارغ ، حول شكليات ، وقضايا جزئية ، لا علاقة لها ، بالخط الاستراتيجي لجمال عبد الناصر .. كل هذا يجري ، بينما ، الصهيونية ، والامبريالية ، ومنعكساتها الاستبدادية ، المتموضعة ، في كل مكان من الأرض العربية …كل أولئك يشتركون ، معاً ، في إدارة اللعبة على الأرض العربية ، وإدارة الرؤوس العربية ، في الاتجاه الذي لا يخدم ، لا الأمة ، ولا الوطن ، ولا ذكرى الرجل العظيم ، وعادت الساحة العربية تستقبل ، دون مقاومة تذكر ، مخططات الأعداء ، وجواسيسهم ، ولم نعد نسمع ، تلك ، الـ ” لا ” ، التي كان يتحدى ، بها ، جمال عبد الناصر ، كل ذلك …” سواء كان يملك إمكانيات هذا التحدي أم ، لا ” .. وتحولت ” ناصريات ” هؤلاء ، وأولئك ، إلى صورة لجمال عبد الناصر ، يعلقها من يشاء ، فوق رأسه ، ليتحول إلى زعيم ، حارة ، أو شارع ، أو شلة ، أو عصابة ، أو بعض من طائفة ، أو عشيرة ، حسب الحال ، وأصبحت ، تلك “الناصريات” ، ككل الشلل السياسية في الوطن العربي ، تتلهى بالمهاترات ، والشرذمة ، والانقسامات ، والقضايا الجزئية الصغيرة … وعندما تتململ الجماهير ، التي عاشت مع جمال عبد الناصر ، عصر التحدي ، والمقاومة ، والرفض ، تظهر دعوات لتوحيد ” الناصريين ” في قطر معين / ونادراً في الوطن العربي / ثم يتبين ، وبعد جدال ، وصراخ ، وإلى آخره .. أن توحيد أصحاب الجلالة ، والفخامة ، حكام الدول العربية ، أقرب ،وأكثر سهولة ، من ذلك بكثير .
فعلى ، ماذا ، يختلفون …..؟ ، وبماذا هم “ناصريون” .. ؟ !
سنوات عديدة مضت ، ونحن نهرب من الإجابة على هذا السؤال : ليس خوفاً ، ولا جهلا ،ً ولكن رجاء ، في ، أن ينفضّ هذا السوق ، الذي نصبوه ، للاتجار ، بالقائد ، الفذ ، عبد الناصر – حياً وميتاً – ، ورجاء ، في ، أن تأخذ ، جماهير القائد ، الفذ ، دورها ، في شق الطريق ” الذي قضى القائد ، الفذ ، نحبه ” باتجاه الأمة الموحدة ، والأرض الواحدة ، والشعب العربي المتحرر من السيطرة ، والاستنزاف الأجنبي ، والاستغلال ،والاستبداد الداخلي … متحرر ، من التخلف ، وأمراضه ، وطوائفه ، ومذاهبه ، وعنصرياته ، وقبلياته ، حيث يعيش ، بما يملك من إمكانيات ، ويتقدم ، بما يملك من طاقات …
إن المتتبع ، لمجريات الأحداث ، التي تلت رحيل جمال عبد الناصر ، وممارسات ، الذين يدعّون ” الناصرية ” في الوطن العربي ، يستنتج ، دون عناء يذكر ، أن ، لا علاقة ، البتة ، بين “المدعيّن” ، وبين الرجل ، الذي ينسبون أنفسهم إليه … لا شكلا ، ولا موضوعا .. يكفي التأكيد على حقيقة واحدة ،ماثلة ،وهي ، أن المخططات المعادية للأمة العربية ، للوجود العربي ، والتي كان الطريق إلى تنفيذها ، غير سالكة ، بسبب عقبة التحدي ، التي مثلها جمال عبد الناصر ، أصبحت ، الآن ، واقعا معاشاً ، أو هي ، على الأقل ، قيد التنفيذ الفعلي . فإذا كان ثمة وجود ” لناصرية ، ما ” في الوطن العربي ، هل لنا ، أن نسأل :
ما هو التحدي ، الحقيقي ، الذي جسدته تلك “الناصريات” للمخططات المعادية ، وإذا كانت ، لم تفعل ، عجزا ، أو خيبة ، أو .. ؟ .. هل لنا ، أن نسأل ، بماذا هي “ناصرية” .. ؟
قد تأتي الإجابة ، بالميثاق ، ببيان ” 30 مارس ” ، بخطب عبد الناصر ، بفلسفة الثورة ، بتحالف قوى الشعب العاملة … لكن ، هل هذا كله ، كلمات تقال ، أم واقع يعاش . لقد كان “الميثاق” ، والتحالف ، والوحدة ، والعدالة الاجتماعية ، بالنسبة لجمال عبد الناصر ، معارك يومية ، مما جسّد ، على طول الأرض العربية ، وعرضها ، تلك المشاعر ، العريضة ، التي حصنت الأمة ضد الانزلاق ، إلى مخططات الأعداء ، ومشاريعهم . فالمطلوب ” كحد أدنى ” لأي فرد ، أو جماعة ، حتى ينتسب ، أو ينسب ، لخط جمال عبد الناصر ، هو المحافظة على روح المقاومة ، والتحدي ، للمشاريع المعادية ، لإجهاضها ، ثم العمل على تحقيق مخطط الاستقلال الوطني ، والاقتصادي ، والسياسي ، للأمة العربية ، وهذا ، مالا يتوفر ، على حد علمنا ” بالناصريات ” موضوع الحديث .
لقد حاولت ،أغلب ، تلك ” الناصريات ” أن تكسب حب ، وولاء جماهير عبد الناصر ، من جهة ، وأن تحقق المكاسب ، والسلامة على حساب مباديء جمال عبد الناصر ، من جهة أخرى ، والمسألة لا تكلفها في النهاية ، إلا صورة ، بإطار فاخر ، لجمال عبد الناصر ، وقليل من الورع ، والخشوع ، عند الحديث عنه ، وهذا بنظرها ، يكفي ، لأن تفعل بعد ذلك ما يحلو لها ، ثم ، يغدو ، هذا الذي يحلو لها ، هو ” الناصرية ” ، وما عداها ” كفر ، بها ” .. !!
(3)
لقد ، كانت المعايير ، التي تحكم تصرفات جمال عبد الناصر ، هي معايير التحدي ، والمقاومة ، لقد قال ، يوما ، أنه ، كان ، إذا اتخذ إجراء ، أو تصرف ، ما ،ولم تهاجمه القوى المعادية ، وأجهزة إعلامها ، فمعنى هذا ، أن ، في هذا التصرف ، خلل ، ما ، … هذا النمط ، من التفكير ، والسلوك ، انقلب رأساً على عقب في السبعينات ، و الثمانينات ، وأضحت الشطارة ، والفهلوة ، ومعرفة ، ما هي مخططات القوى ” العظمى ” ، ثم الاتساق مع تلك المخططات ، وبذل كل الجهود لتنفيذها ، هو الشعار المرفوع ، ليس على مستوى الأنظمة ،وحسب ، وإنما على مستوى المنظمات ، والأحزاب ، والقوى السياسية ، في الوطن العربي ، أيضا ، ” إلا ما ندر ” ، نقول ، هذا ، في معرض حديثنا عن ” الناصريات ” علّنا نحدد ، موضوعياً ، الأسباب الكامنة ، للمأساة ، التي تلقي ، بظلالها ، الكثيفة على وجودنا ، فأوضاع القوى ، والأحزاب ، والمجموعات ، والفرق ، والملل السياسية الأخرى ، في الوطن العربي ، ليست أحسن حالا ، من أوضاع ” الناصريات ” إياها … ذلك ، أن الخريطة السياسية ، في الوطن العربي ، تحولت إلى قوى ،كاريكاتورية التكوين ، تفتقد ، أدنى حد ، من الترابط المنطقي ، بين الشكل ، والمضمون ، بين الممارسة ، والأهداف المعلنة . حتى يكاد المراقب ، لا يجد أدنى علاقة بين الأيديولوجيات المشرعة ، والسلوك الحقيقي ، لأصحابها ، وهذا ، ما أدى إلى النتيجة المنطقية ، وهي تهميش دور الحركات السياسية ، في الوطن العربي ، وعودة علاقات التخلف ، من أول القبلية ، والعشائرية ، إلى آخر الطائفية ، والمذهبية ، والعائلية ، والإقليمية ، لتصبح ، هي العلاقات الحقيقية ، السائدة .
وتحولت القوى السياسية ، والإيديولوجيات السياسية ، إلى مجرد قشور سطحية ، تسقط في الممارسة الحقيقية … لقد أضحى السؤال ، إلى ، أية ، طائفة تنتمي..؟ ، أو ، من أي مذهب أنت…؟ ، أو ، أين مسقط رأسك..؟ ، أو ، من أين انحدر ، جد ، أجدادك ..؟ ، أكثر أهمية ، بما لا يقاس من :
ما هو ، حزبك السياسي …؟ أو ، ما هي الإيديولوجية الفكرية ، التي تحكم تصرفاتك .. ؟ !!
نقول هذا ، لنشير إلى الأزمة العامة ، لحركة التحرر العربية ، أو حتى ، لا يخطر ببال ، أي كان ، أن يعتبر خصوصية هذا الحديث عن ” الناصرية ” ، أنه يقتصر عليها .. فلدينا ما نقوله ، لمختلف الفصائل ، والمجموعات ، والأحزاب السياسية العربية ، كل ، بالأسلوب المناسب .. ، ذلك ، أن ما جرى في الوطن العربي ، وما يجري ، يستحق من كل عربي ، مراجعة شاملة ، حتى ، لبعض الأفكار التي “سمت” لديه ، في بعض الأحيان ، إلى درجة “التقديس” ، للوصول إلى فرز حقيقي ، يعتمد على ، ما اختار ، ومارس ، أي ، عربي ، لا على صك ميلاده … على هويته ، العقائدية ، فكرا ،ً وسلوكاً ، لا على الهوية ، التي تصدرها دوائر الأحوال المدنية ، وغير المدنية ، في الوطن العربي .
(4)
وإذا كان لابد من تغيير الصورة ، فإن عملية التغيير ، المرجوة ، تبدأ ، بالتعامل مع الواقع العربي ، كما هو ، دون الاستسلام ، لظواهره المرضية ، ودون الانزلاق ، إلى خنادق الصراعات المشبوهة ، بين قوى تتصارع ، حتى الموت ، أحياناً ، لكنها تصل في النهاية ، بهذا الشكل، أو ذاك ، إلى ذات المحطة المرسومة ، سلفاً ، من القوى المعادية ، وهذا يقتضي ، من الذين يرشحون أنفسهم ، للنهوض ، بحركة التحرر العربية ، من جديد ، أن يمتلكوا رؤية جديدة ، شاملة ، تقتضي ، في اغلب الأحيان ، تخطي حدود ، الشلل ، والأحزاب ، والمجموعات ، والأقاليم ، والطوائف ، إلى نمط جديد من التفكير ، والممارسة ، فلم تعد تكفي ، انتفاضة داخل هذه الفئة ، أو انقسام تصحيحي داخل ذاك التيار … فكل ما تؤدي إليه ، مثل هذه الحركات ، هو زيادة تفتيت البنية السياسية السائدة .. ، وأجزاء ، الأجزاء ، لن تكون أكثر فاعلية … مهما بدت ولادة الجنين المنقسم براقة .
المطلوب ، هو بناء مؤسسة قومية عربية ، حقيقية ، بين المناضلين ، الذين أفرزتهم التجربة المرة ، … مؤسسة ثورية ، مكوناتها الأساسية ، مستمدة من أجزاء مختلفة المنشأ ، لكنها موحدة الرؤية ، والهدف ، والسلوك ، نتيجة للخبرة ، والمعرفة ، وانكشاف الكثير ، الكثير من الأوراق ، التي كانت مستورة ، إلى وقت قريب جداً … ما نقصده باختصار ، هو ، أن الحدود القائمة بين القوى ، والمجموعات السياسية ، في الوطن العربي ، لم تعد تعبّر ، تعبيرا موضوعياً ، عن واقع الحال ، فلم يعد الانسجام ، سائداً ، داخل المجموعة الواحدة ، ولم يعد التضاد ، حاداً ، بين المجموعات ، التي كانت متناقضة ، إلى وقت قريب ، أو ، هي متناقضة ، إلى الآن – بل نحن أمام واقع ، قد نجد ، فيه ” كادر .. ما ” في حالة تصادم ، مع عناصر خليته ، حول قضية حارة مطروحة ، بينما ، نجده ، متفقا ، ومنسجما ، مع آخر ، في تجمع آخر ، من المفترض ، أن التنافس حاد ، بينهما ، في المنطلقات ، والأهداف .. هذه ، الحال ، تعبر ، تعبيراً حقيقيا ، عن أزمة البنية الحزبية ، والحركية العربية ، وتعبر ، أيضاً ، عن تخلف تلك البنية ، في فهم التغيرات الحادة ، التي جرت في الواقع العربي ، مما حولهّا ، من أحزاب تسعى ، لتغيير هذا الواقع ، إلى أحزاب تجري ، وراء الأحداث ، علهّا ، تفسر ما يجري ، وغالباً ، ما تعجز ، حتى ، عن تفسير ، هذا الذي يجري ، وهذا يفسر لنا ، بوضوح ، حالة العجز الصارخ – الذي هو ، السمة المميزة ، للحركات السياسية العر
ديسمبر 24th, 2008 كتبها محب الوطن العربي نشر في , دراسات مهمة,
غـزة
القلعة الاخيرة ، فى معركة الاعتراف باسرائيل
بقلم / محمد سيف الدولة
§ منذ عام 1947 ، والمعركة مستعرة بيننا وبين الصهاينة ومن ورائهم امريكا وشرعيتها الدولية حول مشروعية دولة اسرائيل ، مشروعية الاغتصاب الصهيونى للارض العربية .
§ كانت بداياتنا مبدئية ، اذ وقفنا صفا واحدا شعوبا وحكومات فى مواجهة قرار التقسيم رقم 181 لعام 1947 ، بل وشاركنا فى حرب 1948 دفاعا عن فلسطين ، ورغم هزيمتنا بسبب احتلال اقطارنا وتبعيتها ، الا اننا تمسكنا بموقنا المبدئى الرافض للاعتراف باسرائيل
§ واستمر صمودنا رغم الضغوط الدولية وعدوانى 1956 و 1967
§ وظهرت اول ثغرة فى صفوفنا بقبولنا القرار 242 بعد عدوان 1967 والذى ينص على حق اسرائيل فى الوجود مقابل الانسحاب من اراض تم احتلالها عام 67 ، ولكننا لم نتوقف كثيرا حينذاك بسبب مقررات مؤتمر القمة العربية بالخرطوم الذى رفع شعار اللاءات الثلاثة : لا صلح ، لا تفاوض ، لا اعتراف . وبسبب انشغالنا فى الاعداد للحرب
§ ولكن الضربة القاسمة الاولى للامة العربية ، تمت بعد حرب 1973 عندما اعترف السادات باسرائيل ، تحت التهديد والرعاية الامريكيين ، وذلك بموجب اتفاقيات كامب ديفيد
§ تلا ذلك اخراج القوات الفلسطينية من لبنان عام 1982 فى ظل العدوان الصهيونى ، وبدات عملية ترويض للقيادة الفلسطينية المنفية فى تونس ، وتسويتها على نار هادئة ، الى ان انهارت مقاومتها وبدات سلسلة من التنازلات انتهت باتفاقية اوسلو 1993 والتى اعترفت فيها م.ت.ف بحق اسرائيل فى الوجود وتنازلت عن فلسطين 1948
§ ثم الاتفاقية الاسرائيلية الاردنية ، وادى عربة ، عام 1994
§ واخيرا انهارت مقاومة النظام الرسمى العربى ممثلا فى جامعته العربية امام الضغط الامريكى بعد احداث 11 سبتمبر 2001 ، وذلك باصداره لمبادرة السلام العربية عام 2002 التى تقر بحق اسرائيل فى الوجود ، وقبوله التطبيع معها ان هى انسحبت الى حدود 1967
§ وبذلك لم يتبقى من العرب الذين رفضوا قرار التقسيم عام 1947، الا الشعب العربى الاعزل المحجوب عن فلسطين ، وقوة وحيدة فى الارض المحتلة لا تزال تحمل السلاح وتقاوم هى غزة
§ انها القلعة الاخيرة فى معركة الاعتراف باسرائيل . ان انهارت لاقدر الله ، سيكون علينا ان ننتظر عقودا طويلة قبل ان نربى جيلا جديدا داخل الارض المحتلة يرفض مشروعية اسرائيل ويعيد الاعتبار لمعركة التحرير والمقاومة
ولكن ما معنى الاعتراف باسرائيل ؟؟
§ انه يعنى الاعتراف بمشروعية الدولة الاسرائيلية ، بمشروعية الاغتصاب الصهيونى لفلسطين ، والاعتراف بصحة الاساطير الصهيونية حول الامة اليهودية والشعب اليهودى وحقه التاريخى فى ارض الميعاد
§ وهو ما يعنى التسليم بالعقيدة الصهيونية فى الصراع وبالتالى تبنى رؤية عدونا فى صراعنا معه ، انها الهزيمة العربية الكبرى التى يحلم بها الصهاينة منذ قرن من الزمان
§ وهو يعنى الاعتراف بان الحركة الصهيونية حركة تحرر وطنى نجحت عام 1948 فى تحرير وطنها المغتصب من الاستعمار العربى الاسلامى والتى يحتفلون بذكراها كل عام فى عيد يطلقون عليه
نوفمبر 21st, 2008 كتبها محب الوطن العربي نشر في , دراسات مهمة,
يكتسي الحديث عن التيار القومي العربي في تونس أهمية قصوى نظرا للدور الهام الذي قام به في معارك الدفاع عن هوية تونس وفي معارك الديمقراطية والحريات في القطر. فمنذ إن أرخى الاستبداد بسد وله على تونس العربية منذ سنة 1955، تحت دعاوي الاستقلال كان القوميون في الخط الأمامي في مواجهة هذا الاستبداد، من اجل إرساء نظام ديمقراطي تتعايش في ظله كل مكونات شعب تونس. إن التيار القومي الناصري تميّز منذ نشأته باستقلالية قاطعة تجاه نظام الحكم. فتعامل هذا التيار مع النظام من موقع الخنادق المتقابلة، مما أصبغ على هذا التيار طهارة ثورية وعفة كثيرا ما فقدتها العديد من الأحزاب و التيارات السياسية التي طفح بها التاريخ السياسي العربي المعاصر. فلئن تمكن النظام من ترويض بعض التيارات السياسية في بعضفترات تاريخية، فان التيار القومي بقي عصيا على الاحتواء، وتمكن من إن يصمد أمام المحاولات المتعددة لنظام الحكم. أهمية الحديث عن التيار القومي تتأتى أيضا من طبيعة المشروع الذي يحمله. ففي الخطاب القومي يتناغم البعد الإسلامي والبعد العقلاني التقدمي، وهو ما يجعل منه منطقة جذب لقواعد القوى السياسية الأخرى ومحط اهتمام. للعديد من المهتمين بالشأن العام.. إن التيار القومي أصبح حقيقة لا يمكن تجاهلها ولم يعد أحد بقادر أن ينكر تنامي وامتداد الحركة الوحدوية في تونس في السنين الأخيرة، وهناك مؤشرات عدة تبين أن هذا التيار جدد في أساليب عمله وتجاوز العديد من أخطاء التي صاحبت تجربته. إن هذه الظاهرة التي بدأت تكتسح الحقل السياسي في تونس تعتبر اكبر اعتراف لتضحيات الأجيال السابقة من القوى الوحدوية في تونس. إن القوة الوحدوية من القوى السياسية المهمة والفاعلة في البلاد بالرغم من العوامل العديدة التي عملت على تهميشها وإقصائها من الساحة السياسية.في هذه الورقة القصيرة لا نود العودة بالحديث عن تجارب الوحدويين في تونس أو في الوطن العربي فهي لا شك عديدة وثرية وتستحق دراسات معمقة للاستفادة من هذه التجارب. ولكن سنحاول رصد معالم دور القوميين الآن والذي من المفروض الاضطلاع به في ظل واقع قومي وقطري شديد التعقيد من خلال مساهمة فعالة علنية في تغيير الواقع فكريا وثقافيا وسياسيا وترجيح كفة ميزان القوى لصالح قوى المستقبل العربي.ذلك أن تشكيل قطب سياسي فكري جديد يدافع على الهوية من منطلق عقلاني وتقدمي وعلى أسس ديمقراطية سليمة، لن يكتب له النجاح ما لم يكن عصبه وعوده الفقري التيار القومي العربي. فالقوميون هم استجابة للتحديات المطروحة على الأمة العربية. إنهم المشروع الذي يعمل على تجاوز واقع الانحطاط والتخلف التي تعيشه الأمة ويعمل على تحريرها لاسترجاع دورها الحضاري. إنهم التعبير عن قطاع جماهيري واسع ملتزم بالإستراتيجية القومية لمواجهة كافة الاستحقاقات الوطنية و القومية و العالمية. وبهذا المعنى فان البديل القومي يتبنى الإستراتيجية التي حمل عبئها جمال عبد الناصر و المتجلية في تحقيق التحرر و الحرية و التقدم و الاشتراكية و مجتمع الكفاية و العدل و الوحدة العربية و مواجهة قوى الهيمنة و تحقيق التجدد الحضاري المتسق مع ضرورات العصر و تطوراته. يضاف إلى تراث عبد الناصر، كل الإضافات الفكرية والاجتهادات المعرفية التي حاولت وتحاول تأصيل هذه الإضافة النوعية للفكر العربي النهضوي المعاصر وأساسا عبد اله الريماوي ونديم البيطار وعصمت سيف الدولة وصفوة حاتم..وحبيب عيسى…ومجمل التجارب التي خاضتها الأحزاب والتنظيمات القومية على امتداد الوطن العربي..الخ. إن البديل القومي بديل خصب وثري ومنفتح وعقلاني يرفض الانغلاق والتحجر يتفاعل مع الواقع القطري فلا ينكر التشوهات التي أحدثتها سياسات القوى القطرية في الواقع القومي العربي، بل يعمل على تغييرها وإعادة ا\لأشياء إلى طبيعتها. من قلب هذا الواقع الإقليمي الآسن يسعى القوميون إلى صياغة الحياة مع ما يتماشى مع الهدف القومي وبما يساهم في حل مشكلات التنمية والتخلف. وهذا يتطلب جهدا مضاعف من قبل القوميين وتقديم إضافات جديدة للعمل الوحدوي إنها مسؤولية الجيل الجديد لبذل المزيد من الجهد الفكري والبحث العلمي والمعرفي من اجل تنمية وحدوية تقدمية. ونعتقد إن كل تجريه في أي قطر تعتبر إضافة لهذا الصرح الذي بدا في تشييده عبد الناصر وصاغه في سياقه العلمي والمنهجي العديد من المناضلين.
جذور ضاربة في التاريخ وفشل سياسة اجتثاث القوميين
في تونس العربية فمنذ 1955 واجهت القوى القومية حملة عنيفة، من قبل بورقيبة، سواء في تجلياتها الأولى الحركة اليوسفية أو ما أتى بعدها من تنظيمات ومنظمات سياسية وفكرية تبنت النهج القومي الناصري. يعتبر القوميون من أوائل القوى السياسية التي أخذت على عاتقها تحرير الوطن والمواطن، لقد ساهمت الكتائب القومية في مواجهة الاستعمار الفرنسي، وكانت طليعة الشعب في معركة التحرير. ويهدف المشروع القومي إلى تحرير المواطن من كل مظاهر الاستبداد والاستعباد فكانت الديمقراطية وبناء حكم وطني تقدمي ديمقراطي الهدف الذي ناضلت الطلائع القومية وقد دفعت فيه ضريبة الدم. فكان قوميو تونس طليعة النضال العربي في الدفاع عن المشروع النهضوي العربي …وبالرغم من المظالم العديدة التي لحقت بهم وسياسة المطاردة التي تعرضت لها القيادات القومية فان التيار القومي عمل على تشكيل درع وقاية في مواجهة محاولات التغريب والتخريب التي تعرض لها القطر لقد نال القوميون النصيب الأوفر من أذى بورقي
نوفمبر 15th, 2008 كتبها محب الوطن العربي نشر في , دراسات مهمة,
بداية، نحييكم بالسلام تحية الإسلام
وبعد،
إن الانتصار للفكرة الذي قد يصل إلى حد القتال من أجلها مؤشر جيد من حيث المبدأ، إذ يبدأ بالكلام وقد ينتهي بالسيوف لا قدر الله، هذا قانون حكم ويحكم الممارسة السياسية عبر التاريخ خصوصا في صفوف الحركات العقائدية:
فقد اختلف صحابة رسول الله(ص) من بعده ووصل بهم الأمر حد الإقتتال مع أن أغلبهم مبشرون بالجنة، وتحول خلافهم مذاهب ونظريات.
واختلف الرّفاق حول طبيعة الثورة فانقسموا بموجب ذلك شيعا وطوائف.
واختلفت الحركات الإسلامية في مناهج التغيير ففقّست من بعضها البعض طوائف تكفر أخرى ومازالوا.
فضلا عن الأحزاب الليبرالية التي يختلف رفاق الدرب فيها فينشق من ينشق مكونا حزبا آخر.
فالأمر إذن وارد في العمل السياسي وليس بدعة أو عارا يدفع إلى الخجل، والتيار القومي التقدمي ليس استثناء فوق التاريخ لا يصيبه ما يصيب غيره !!
بل العكس هو الصحيح لو لم يقع الإختلاف فمعناه انه ميت لا يتقدم!!
فالإختلاف لا يطرح إلا في صفوف من يتطورون إذ يختلفون حول ما يجب فعله في المستقبل وأي الأساليب أنسب. هذا قانون غير منكور تخضع لأحكامه كل التيارات السياسية.
لكن يبدو أن هناك سببا ما يفسر الشحنة العنفية التي تقف حائلا دون الجنوح إلى التعاطي الهادئ مع ما حصل من اختلاف في صفوف هذا التيار المناضل وتحوله إلى خلاف تكاد نذره تشي بأمارات حرب الكل ضد الكل!!
إن مردّ ذلك هو الرضّة الأنثروبولوجية التي أصابت الجميع في مقتل. فقد وقع المحظور، فما كان الجميع يسلّمون ويعتقدون أنه صمّام الأمان لضمان وحدتهم، ويفتقده الآخرون فينقسمون بموجب ذلك شيعا وطوائف:
النظرية التي تضمن الوحدة الفكرية التي طالما تباهى بها مناضلو التيار وبزّوا بها غيرهم بدت وكأنها غير قادرة على منع تشظيهم!!
لذلك انبرى كل فريق يدلّل أنه الفرقة الناجية التي تحفظ بيضة التيار من الإنكسار وترمي الفريق الآخر بالضلالة ، لأن التسليم بمنطق أن كل طرف على صواب، معناه أن صلاحية النظرية التي تربّوا على هديها وثيقة توحّد المنطلق والغاية والأسلوب لم تعد كذلك. مما يفتح الباب مجدّدا للإرتماء في أحضان منهج التجريب القاتل الذي يلحق بمعتمديه هزائم قاصمة من حيث لا ينتظرون ويهبهم نصرا من حيث لا يتوقعون، وكم كلّف هذا المنهج مناضلي الحركة القومية غاليّا في حقّ أنفسهم وفي حقّ أمتهم !!
لذلك وبكل لطف وانطلاقا من ثوابت مبادئنا وأخلاقنا نرجو من هؤلاء الإخوة الملثمين التريّث وعدم الإنجرار الأعمى وتنفيذ تعليمات أبو مجهول الذي يدفع الواحد منهم إلى وضع لثام ناسف على وجهه والقيام بعملية انتحارية يفجر بمقتضاها نفسه على صفحات الجرائد والمواقع والمدونات فيشوّه مبادئ يحسب نفسه يدافع عنها ويؤذي إخوة له بغير ذنب إلا لأنهم اختلفوا عنه في فهم بعض المسائل التي تتعلق بخطط الإعداد لبناء الحركة العربية الواحدة التي طالت غيبتها.
فالجميع يعلن تمسكه بنظرية الثورة العربية منطلقا وغاية وأسلوبا. فلا أحد من حقه إقامة محاكم تفتيش الضمائر، فالإيمان ما وقّر في القلب ونطق به اللسان وصدّقه العمل، سواء تعلق الأمر بعقائد الإيمان أو مبادئ السياسة. فالإختلاف الذي حصل بين القوميين التقدميين يقع خارج دائرة الثوابت، وينتمي إلى حقل المتغيرات التي أراد لها البعض أن تعيش خارج العمر الإفتراتضي المرسوم لها:
فأورثتنا جماعة أولى هي عبارة عن مسوخ سياسية ترفع أنبل الشعارات وتمارس أرذلها بحجة مواصلة الإعداد المرتكز على التكوين العقائدي غير المقرون بمهامّ نضالية إلا ما كان لازما لإختبار نضالية العناصر لأنه ليس من صلا
نوفمبر 7th, 2008 كتبها محب الوطن العربي نشر في , دراسات مهمة,
الأسبَـاب المَوْضُـوعيّة
صالح الفرجاوي - تونس

انتهينا في مقاربة سابقة إلى أن العدوان الذي تتعرّض له الأمة العربية- كوحدة موضوعية من الأرض والشعب- عدوان يمسّ شَرْطَيْ وجودها: الأرض والإنسان. وبالتالي فهو يطال وجودها الأنطولوجي. بناء عليه فإنّ تبني المقاومة كخيار استراتيجي في الواقع العربي يمثل ضرورة تاريخية مُلحّة، ويمثل رداّ طبيعيا على العدوان الذي يستهدف الوجود العربي. كما انتهينا إلى أن القوى السياسية التي تزعم لنفسها التقدمية والجماهيرية هي اليوم على محكّ الاختبار التاريخي في علاقة بما تطرح من شعارات.وإن تأكيد هذه الشعارات المرفوعة أو نَفْيها مرتبط أشدّ الارتباط بالموقف من المقاومة في الواقع العربي على اعتبار أنّها القتال الجماهيري المسلّح أو النضال الجماهيري المدني الذي يرقى إلى مستوى ردّ العدوان ودحره. بالتالي فالأسباب الذاتية /العربية لتبنّي خيار المقاومة، دفاعا عن الكينونة، تمثل حُجّة دامغة. ولكن الاكتفاء بهذه الأسباب لوحدها-رغم حُجّيتها- قد يجعل من المقاومة فرض عَيْن بالنسبة للبعض ونافلة بالنسبة للبعض الآخر؟؟؟ فيكون التيار الوحدوي العربي هو المَعْني الأوّل بالمقاومة اتّكالا على انحيازه الأيديولوجي لقَوْمية الواقع، وقومية المشكل، وقومية الحلّ… وتكون القوى الأمميّة- الروحية والمادية- غير مَعْنيّة بالمقاومة إلاّ بالقدر الذي تصبُّ فيه المقاومة العربية في طاحُونها ألأممي .اعتبارا لهذه المُمكنات/العراقيل وغيرها من الفرضيات النظرية أو السياسية … التي يمكن أن تجعل الأمة العربية تخسر أيّ جُهد من جهود أبنائها في معركة الدفاع عن الوجود، نضيف في هذه المُقاربة الأسباب الموضوعية التي تجعل من تبنّي المقاومة في الواقع العربي ضرورة حياة بالنسبة إلى كل القوى السياسية التي تنشط من مشرق الوطن إلى مَغْربه، ومقياس التقدّمية ، مهما كان الأساس الإيديولوجي الذي تصدرُ عنه.
فما هي ألأسباب الموضوعية التي تجعل كل القوى السياسية العربية، التي تزعم لنفسها التقدمية والجماهيرية، مَعْنية بالانخراط في المقاومة بنفس الدرجة؟؟؟
إذا كان من المفهوم –إيديولوجيا وحركياّ- أن تكون القوى الوحدوية العربية معنية بالانخراط في المقاومة فإن القوى السياسية الأممية تملك أيضا –حسب مانعتقد- المُبرّر-الإيديولوجي والحركي- الكافي بتبنّي نفس الموقف ، لا تذيّلا للقوى الوحدوية العربية ، ولا مُجاملة ، ولا تطْييبا للخاطر، بل انتصارا لموقف أصيل. وذلك اعتبارا لمُعطيات عـديدة سنأتي عليها لاحقا.
. تنطلق هذه المقاربة من رؤية تعتقد أن الأمة العربية كوحدة موضوعية من الأرض والبشر تمثل الركن الأساسي لأي مشروع عالمي قادم. يعني أن الأمة العربية على حالة الوهن والاستهداف التي تعيشها وإن كانت غير قادرة على قيادة البشرية - مما يوفّر في اعتقادنا جهد الحوار حول مضمون هذا المشروع - ، فإنها ستكون ضمانة سيادة هذا المشروع في المدى القريب والبعيد أيضا بقطع النظر عن مضمونه . يعني إن القوى الدولية التي ستكون قادرة على السيطرة على الأمة العربية وافتكاكها هي التي ستنتصر مهما كان مضمون مشروعها. فالقوى التي ستحكم السيطرة على هذه البقعة من العالم ستكون قادرة عل حكم العالم والسيطرة عليه في المدى المنظور ، والمدى البعيد أيضا. لمــــــــاذا؟؟؟؟؟
من المعلوم أوّلا أن كل مشروع قومي أو أممي يحتاج إلى قاعدة ارتكاز ينهض عليها، منها يستمدّ انبثاقه ومنها يستمد ديمومته. فقد كانت الولايات المتحدة الأمريكية ولا تزال هي قاعدة ارتكاز المشروع الليبرالي في السياسة والاقتصاد على المستوى العالمي. كما كانت روسيا هي قاعدة ارتكاز المشروع الاشتراكي /اليساري. ويوم أن ضاعت قاعدة الارتكاز انهار المشروع تباعا وانصهر في عدوّ الأمس أو تذيّل له. ويوم تضيع قاعدة الارتكاز في المعسكر المقابل وتنهار سينهار المشروع الليبرالي العالمي مهما تغنّى تقنيوّ المعرفة بمقولة نهاية التاريخ.
أما النقطة الثانية، وهي مرتبطة بالأولى، فتتمثل فيما تمتاز به الأمة العربية كأمة متميزة وليست ممتازة. يعني لها خصائصها التي تصوغ هويتها الحضارية وتميزها عن بقية الأمم وذلك بحكم المراكمة والمعاناة التاريخية التي شكلت وجودها وصاغت خصائصها. فماهي هذه الخصائص التي تدعم القول بأن الأمة العربية لها هذا الدور الحاسم على مستوى صياغة مستقبل العالم بأسره ؟؟؟
-1/ : الموقع الجغراسياسي
يقع الوطن العربي في نقطة مفصلية من الجغرافيا الدولية تطل من الشرق على آسيا حيث إيران وبحر قزوين وحيث المستعمرات القديمة للمشروع اليساري الماركسي وأهمية هذه المنطقة في محاصرة أي إمكانية لاستعادة الحلم القديم مادامت ستصبح تحت سيطرة العم سام ، إضافة إلى ما تختزنه في باطنها من ثروات تمثل عماد حراك العالم من جهة وكمية تؤمّن السيطرة الأمريكية أمام حالة النفاذ التي تهدد عمر مثل هذه الثروات . كما أن الوطن العربي هو بوابة القارة الإفريقية ومفتاحها الشمالي بما تمثله هي الأخرى من إمكانات زاخرة (ذهب- حديد- نفط- ماس …) وليس من الاعتباط في شيء أن تبرمج الولايات المتحدة- كقوّة عالمية- سياستها الإفريقية ولا تضع في الاعتبار شمالا إلا مصر . والوطن العربي هو أيضا البوابة الجنوبية لأوروبا الغربية التي تترصد الفرص لإفتكاك الزعامة إن أمكنها ذلك، ويمثل الوطن العربي عمقا استراتيجيا – جغرافيا، بشريا،اقتصاديا..- لها إذا استطاعت السيطرة عليه وعائقا استراتيجيا أيضا إن كان من نصيب القوى المضادة لها في السيطرة على العالم. ( من المؤلم أن تظل خياراتنا كأمة في هذه المرحلة من التاريخ الولاء والتبعية. يعني أن نُفاضل بين الاستغلال الأمريكي والاروبي وطمع البُوَيْهِيّين الجُدد، ولكنها الحقيقة المرة إلى حين ينهض أبناؤها). وطبعا لهذا الموقع الجغرافي العربي مكانة محددة للسياسة الدولية، وللتوازنات الدولية ولموازين القوى بل لوجهة العالم أصلا خاصة إذا عرفنا أن في هذه الرقعة الجغرافية المسماّة الوطن العربي قناة السّويس ذات الدور الحاسم في الملاحة الدوليّة. بالتالي فالمكانة التي يحتلها الوطن العربي في جغرافية السياسة الدولية أساسية وحاسمة، والجهة الدولية التي ستكسب هذه المنطقة من العالم ستكون قادرة على قلب موازين القوى لصالحها. إذ ستكون مطلّة على كل إفريقيا وعلى معظم آسيا وفي ظهر أوروبا ولكل هذا ايجابياته الحاسمة التي لاتخفى على ذي عقل.
-2/: الثروات الباطنية:
هل من حسن حظ هذه الأمة أنها تمتلك كما هائلا من الثروات التي تدور عليها اليوم رحى الدنيا؟ أم من سوءه؟ . إن الأرض العربية تمتلك أهم احتياطي استراتيجي في العالم من النفط/الذهب الأسود الذي يمثل عصب الاقتصاد العالمي اليوم وبدونه تنتفي القيمة في عالم
أكتوبر 26th, 2008 كتبها محب الوطن العربي نشر في , دراسات مهمة,
على أبواب الذكرى الثانية والخمسين لثورة 23 يوليو المجيدة أي الوفاء أكبر لعبد الناصر من إتمام مسيرته والسير على نهجه ولعل إقامة الحركة العربية الواحدة تأتي في مقدمة المهام المطروحة على الناصريين إتماما لهذه المسيرة في سبيل إقامة دولة الوحدة الديمقراطية الإشتراكية.
أثير لغط كثير حول الحزب القومي أو الحركة العربية الواحدة مما أطلق العنان لخيال واسع وأحلام كبيرة مثلما أفرز تصورات أو مشاريع متهافتة في أحيان كثيرة مترنحة بين المثالية الحالمة والليبرالية الفضفاضة القاتلة إضافة إلى السقوط في حبائل الإقليمية السيئة الذكر وفي هذا كله - مع افتراض حسن النية –الأخطاء القاتلة التي لن تنجز الحركة العربية الواحدة بل ستضع عقبات كأداء أمام هذا المشروع الذي يمثل الأسلوب الوحيد لتحقيق غاياتنا المتمثلة في دولة الوحدة الديمقراطية الاشتراكية وعليه فإن أسئلة مشروعة لابد أن تطرح وتلح على الذين يطرحون هذا المشروع دون غيرهم نظرا للقصور الواضح في تحديد ماهية هذه الحركة العربية الواحدة والسبيل إلى إقامتها وكذلك فإن الذين أصبحوا يطرحون هذا المشروع أثاروا تشويشا في أذهان الكثيرين وأيقظوا أحلاما –أخمدتها الهجمة الشرسة التي تتعرض لها الأمة العربية ورموزها القومية وبالتحديد الزعيم والقائد الرمز جمال عبد الناصر لكنها لم تقتلها – وأهم هذه الأسئلة سؤالان نزعم أن الإجابة عنهما عملية مفصلية لإزالة كل الغموض المتعلق بهذه المسألة ذات الأهمية البالغة في حياة أمتنا على درب التحرير والتوحيد والتنمية .
1-من هم المعنيون بإقامة الحركة العربية الواحدة ؟
2-كيف السبيل إلى إقامة الحركة العربية الواحدة ؟
المعنيون بإقامة الحركة العربية الواحدة
إن الذين يتصدون إلى إقامة الحركة العربية الواحدة كثيرون وقد رسخت هذه القناعة الممارسة التي بينت أن لاسبيل إلى انجاز المهام القومية وعلى رأسها الحركة العربية الواحدة إلا بأداة قومية وفي ذلك انسجام بين الواقع الذي تثور فيه المشكلة وأسلوب الحل وهذا ما توصل إليه الزعيم جمال عبد الناصر وبالتحديد إثر جريمة الانفصال بين مصر وسورية وأصله الدكتور عصمت سيف الدولة في نظرية الثورة العربية فإلى متى يحتكم القوميون إلى التجربة والخطأ ؟ وإلى متى يستمر البعض في الدعوة والإلحاح إلى انجاز الحركة العربية الواحدة على غير ما جاءت به النظرية هل هو الجهل أم الأخطاء الغبية –على حد تعبير الدكتور-هذا كله مع افتراض حسن النية وصفاء الروية .
إن الحركة العربية الواحدة ليس مشروعا سياحيا للتعارف أو منتدى لتبادل الآراء وإغناء الخبرات
إنما هو الأداة التي ستقيم دولة الوحدة الديموقراطية الإشتراكية -لنتصور الرعب الذي تثيره هذه الغاية النبيلة في نفوس الإقليميين والمستعمرين ولنتصور ضخامة وأهمية المسؤولية المناطة بعهدة من يتصدى لإقامة هذا المشروع –وبما أننا نفترض الحديث إلى أناس لا يختلفون حول ضرورة بل وجوب إيجاد الأداة القومية لإنجاز المهام القومية فإن الإستمرار في الإحتكام إلى منهج التجربة والخطأفي مسائل جوهرية تتعلق بمستقبل الأمة أرضا وبشرا إنما هو في الظاهر مراء لايورث غير الفشل والمزيد من إهدار الوقت الذي لن يستفيد منه إلا أعداء الأمة الذين لاتعوزهم القدرة والإمكانيات لتشويه الفكر القومي وإثبات قصوره في إنجاز المهام والتصدي لها وهم في هذا بارعون فهل في هذا الإستمرار خدمة لقضايا الأمة أم خدمة للأعداء؟وهل يمكن التصدي لقضايا الأمة دون نظرية تقوم على منهج على ضوئه تتحدد المنطلقات والغايات وأسلوب تحقيق تلك الغايات ؟
إلى ماذا يتم الإحتكام عند الإختلاف في تصور المهام والممارسة العملية عند إنجاز تلك المهام ؟
إلى نظرية متكاملة أم إلى أشخاص تحكمهم المصالح الضيقة وتتنازعهم الأهواء؟ إنها الأخطاء الغبية القاتلة ‼
لقد ظل الفكر القومي لفترة طويلة رهين الأحلام والعواطف الجياشة إضافة إلى التخبط بين براثن مناهج أثبت العلم كما أثبت تسليطها على أرض الواقع فشلها وتهافتها والمواقف التي تبناها الشيوعيون عند احتلال الجزائر وفلسطين خير دليل على تخبط المنهج وليست العبرة بتعديل المواقف أو مراجعتها وإنما في الخلل المنهجي الذي أدى إلى هذه الأمثلة من الأخطاء وما الإدعاء بأن المادية الجدلية هي المنهج العلمي إلا جوهر الخطأ الذي أدى إلى مثل هكذا مواقف لسنا بصدد تعدادها -فذاك حديث آخر- وإنما جاء ذكرها لتأكيد أهمية المنهج عند تحليل الظواهر لاتخاذ الموقف السليم والملائم لها فبقدر علمية المنهج وحسن تسليطه على الواقع تكون المواقف سليمة ويكون الفيصل والمرجع عند الإختلاف بين من يتبنونه .
أما الآخرون فقد اكتفوا بالتغني بأمجاد الأجداد ومساهمة الأمة العربية في التراث الإنساني وراحوا يدللون بأسلوب ليبرالي على أهمية الوحدة العربية متخذين من الوحدة الإيطالية والألمانية مثالا ونموذجا يجب أن يحتذى به من حيث هي حلم مشروع وهل تكفي الأحلام ؟وهل تبني دولة الوحدة ؟
أما حزب البعث وتجربته في الحكم في القطر العراقي والسوري فهو لا يتعدى أن يكون تجربة هجينة في تاريخ أمتنا العربية دون الطعن في صدق وولاء الملايين من أبناء أمتنا الذين غرتهم الشعارات الرنانة فقدموا أنفسهم وقودا في معارك لم تجن منها الأمة غير المزيد من الخسائر والتراجع عن مواقع تتطلب جهودا وتضحيات لاستعادتها هذا دون أن نبخس بعض الرواد جهدهم في الدعوة إلى وحدة الأمة
ولعل الفجاجة الفكرية لهذه التجربة قد انكشفت بوضوح تام خلال محادثات الوحدة (محاضر جلسات مباحثات الوحدة أبريل /نيسان1963 ) نسوق هذا الجزء الذي يغني عن كل تعليق.
-الرئيس جمال عبد الناصر : نقعد بقه بنعمل جلسة في هذا ونناقش المذهبية العقائدية …بامسك جريدة البعث .جريدة البعث جايبه كتاب مؤلفه ستالين وبتنقل منه .. اسمه اللينينية ..أنا قعدت مرة أقرأ بعض افتتاحيات
جريدة البعث..وبعدين اكتشفت إني قريت هذا الكلام من قبل ..دورت فين ..وأنا أعتقد أن ذاكرتي كويسة والحمد لله .. بعدين افتكرت فين .. في كتاب صغير زي ما قلت لك اسمه اللينينية ..جميع الكلمات المكتوبة في افتتاحيات البعث في الفترة الأخيرة نقلا من هذا الكتاب..وعندي الكتاب وعندي الجريدة..
وتفضلوا قارنوا….
ولقد ظل الفكر القومي على غير هدى ولم يتحول إلى زخم جماهيري إلا مع ثورة 23 يوليو 1952 ورغم الإنجازات الرائعة والالتفاف المنقطع النظير حول شخصية القائد الفذ جمال عبد الناصر من طرف جماهير أمتنا العربية من المحيط إلى الخليج لم يستطع القائد أن ينجز الوحدة العربية ولم تستطع الجماهير الحالمة بالوحدة أن تحمي أول تجربة وحدوية بين مصر وسورية من الانفصال لا لأن أعداء الوحدة من الإقليميين والاستعمار وأعوانه قد بذلوا قصارى جهدهم لوأد هذا المشروع في المهد فقط ولكن لأن هذه الوحدة تمت بين مؤسستين إقليميتين ولو كان جمال عبد الناصر على رأس إحداها وقد أدرك القائد أن لاسبيل لإقامة الوحدة إلا بأداة قومية المنطلقات والأداة والغايات وتلك هي الميزة الأساسية للتجربة الناصرية أي التجربة والخطأ والتصحيح وفي ذلك تكمن عبقرية القائد وصدق تطلعاته ووفائه لأمته وقضاياها .
أما التأصيل النظري والوضوح المنهجي للف
المزيد
إن الشعوب التي تساوم المستعمر على حريتها توقع في ذات الوقت وثيقة عبوديتها.
المعلم الخالد جمال عبد الناصر.












