(1)
عود على بدء :
منذ زمن بعيد ، ونفر من الشباب العربي ، منهمك في الحديث عن ” الناصرية ” وماهيتها ، حاضرها ، ومستقبلها ، والحديث عن عبد الناصر ، لا يقتصر أثره على أطراف الحديث ، والحوار ، والخلاف ، والاتفاق ، وحسب … ، وإنما يمتد أثره ، طولاً ، وعرضاً ، في الأرض العربية ، فالرجل ، كان أكبر من المجموعات ، والشلل التي حملت أسمه حياً ، وتلك المجموعات ،للأسف الشديد ، لا تزال أصغر ، من ، أن تغطي المسافات التي يفرشها ظله ، غائباً .
وهذا الانهماك ، بالحديث عن عبد الناصر ، له ما يبرره موضوعياً ، لو أنه اتجه بالفكر ، والحركة ، باتجاه تحقيق الأهداف ، التي عاش ، وقضى الرجل ، الفذ ، لتحقيقها . لكن ما حصل ، وما يحصل ، ابتعد بدرجة كبيرة عن جوهر المسألة ، وتحول إلى “لغو” لا طائل وراءه ، ووصلت الأمور إلى ذروة المأساة ، عندما حاول أطراف هذا “اللغو” أن يشهروا ” دكاكين ” في الوطن العربي ، تتصدرها صورة الرجل ، ثم يبتدع كل منهم ” عبد الناصر ” على مقاسه ، ويصبح ما عداه ، ليس ” ناصرياً ” ، وتحول ، هذا كله ، إلى ركام ، يغلق الطريق الصحيح ، إلى الرؤية الصحيحة.. ، يغلق الطريق ، ليس ، إلى فهم ظاهرة عبد الناصر ، ووضعها في سياقها التاريخي ، وحسب ، وإنما ، أدى ، إلى تغييب مساحات واسعة ، من الشباب العربي ، عن ساحة الفعل الثوري ، الجاد ، في الواقع العربي ، لتغييره ايجابيا ، فتحول أولئك ” الناصريون جداً ” إلى شلل ، ومجموعات ، تكفرّ بعضها ، بعضاً ، ويهدر البعض ، دماء البعض الآخر ، ويفتك بعضها ، بالبعض الآخر ، فتكاً شديداً ، وتحولوا إلى طوائف ، شديدة الشبه ، بتلك الطوائف ، التي نبتت ، إبان الثورة العربية التوحيدية الأولى ، وتحول عصرهم ، إلى عصر ، شديد الشبه ، بعصر ، تلك الطوائف ، الذي سمي ، في ذلك الوقت ، عصر الانحطاط العربي ، حيث الأرض مباحة لكل طامع أجنبي ، وحيث عقل الشعب مباحاً ، لكل مشعوذ ، وأفاقّ ، وصولاً إلى الغزو الثقافي الواسع ، الذي أتى على ما تبقى من ايجابيات الثورة .
كل هذا ، وذاك ، حصل بالأمس ، ويحصل الآن ، بينما كهنة تلك الطوائف السالفة ، والمعاصرة ، يدقون الطبول ، وينفخون الأبواق ، تصنيماً ، لهذا ، أو رجماً ، لذاك . لكن ، وحتى لا نبدو ، وكأننا نقسم الأحداث ، تقسيماً تعسفياً ، لا بد من الاعتراف ، أن ما يجري داخل ” الشلل الناصرية ” لا ينحصر داخلها ، وإنما يمكن تعميمه ، لهذه الدرجة ، أو تلك ، على الخريطة السياسية العربية ، من أقصى اليمين ، إلى أقصى اليسار .
وأكاد ، لا أجد ، على الخريطة السياسية العربية ، حزبأ ، أو حركة ، أو تجمعا ، أو مجموعة ، لا تفتك فيها ، جرثومة التفتيت ، والارتداد ، إلى الأصغر .. ، فا لأصغر .. ، وصولاً إلى الفردية .
فالشعب العربي ، يمر الآن بمرحلة ، من تلك المراحل الخطيرة ، التي تمر فيها الشعوب ، عندما يتهدد وجودها ، تهديداً شديداً ، حيث ينظر العربي ، إلى ما يجري حوله ، مشدوهاً ، ثم يتملكه الخوف من الحاضر ، ومن المستقبل ، فكل ما يجري حوله ، مخيف ، يدفعه للارتداد ، لا شعورياً إلى ، ما يتوهم ، أنه بيت الأمان الضيق ، الذي يتقلص مع الأيام إلى الأصغر ، فالأصغر ، بينما تتصاعد شكوكه بالآخرين ، أكثر ، فأكثر ، ويؤدي هذا كله ، إلى حالة فردية ، إلى حالة ، لا مجتمعية .. لا إنسانية .وهذا كله ، يفتح الطريق واسعاً، أمام الغزو الخارجي ، ممثلاً ، بأية عصابة، أو قرصان … ممثلاً ، بأي مشروع ، أو مخطط ، أو خريطة ، لتفرض على الأمة العربية ، قهراً ، وليسود هذا العصر ، الشديد الانحطاط ، الذي نحيا ، حيث الوطن ، بخبطة قلم ، وببعض الأسر ، والعصابات الصهيونية ، وغير الصهيونية ، منقسم إلى عشرات الأجزاء ، إضافة إلى أجزاء ، امتدت إليها ، يد الجوار ، شرقاً ، وشمالاً ، وجنوباً … وحيث الشعب العربي ، منقسم إلى مئات ، بل آلاف الأجزاء .. ،وحيث ، لكل الانتماءات الانعزالية ، في الوطن العربي ، وجود مادي فعال ، ثقافي ، وفكري ، ومسلح ، بينما ، الانتماء للأمة الواحدة ، للوطن الواحد ، مجرد مشاعر ، عند البعض ، وحلماً ، عند البعض الآخر العاجز ، حتى الآن ، عن تجسيده بمؤسسة ، تسعى لتحقيق الحلم ..
إنها صورة مأساوية ، لواقع مأساوي … أدى إلى فراغ سياسي حقيقي في الوطن العربي ، مما أتاح المجال لأفكار ، وقبائل الجاهلية ، أن تسود . وهذا واقع مثالي ، ليتحول القراصنة الذين يغتصبون الأجزاء العربية ، إلى أصنام ، وآلهة ، يفرضون ، وحواشيهم ، على الشعب العربي ، مالا يخطر ، ببال أحد ، من القهر ، والتعسف ، والتسلط ، والهيمنة ، والنهب ، حيث يصبحون ،هم ، أصحاب الأرض ، والثروة ، والناس ، وحيث السواد الأعظم ، من الشعب العربي ، كعبيد روما ، يبحث عن فتات موائد النبلاء ، وصولاً إلى هذه المفارقة التي نحيا ، وهي ، أن الشعب العربي ، الذي يملك من الثروات المادية ما يكفي لأن يحيا حياة لائقة ، وأن يمد يده ، لمساعدة شعوب أخرى كثيرة في العالم ، على الأقل .. هذا الشعب ، مربوط ، الآن ، من أمعائه ، لا يعرف كيف يؤمن مستلزمات الحد الأدنى المطلوب للحياة .. هذا الشعب ، الذي يحاصر بلقمة العيش ، ويعصر ، عصراً ، إلى أن ينزل إلى الشارع صارخاً ، نادباً ، فتلاحقه قوى فرض النظام ، والقانون ، وترتكب بحقه من المجازر ، ما يكفي ، لأن تخمد ثورته إلى سنين أخرى قادمة ، ثم يطلق على تلك ” الفورة ” .. ” مظاهرات الخبز ” .. أو مظاهرات الجوع ” … ! !
أليس غريباً ، أن الشعب العربي ، الذي ترتكب بحقه جرائم لا حصر لها ، من أول التسلط ،والقهر ، إلى آخر التسلط ، والطرد من الأرض ، وصفقات التنازل عن أرض الوطن للأعداء ، والطامعين ، يحاصر ، ويفتك فيه ، من الاتجاهات ، كلها ، ثم يتم تجويعه ، فلا يتظاهر ، إلا من اجل لقمة العيش … ؟ !! يحاصر بعدها ، بتساؤلات التشكيك ، بكل شيء ، وعوضاً عن ، أن يبحث العربي ، في الواقع الموضوعي ، عن أسباب الخلل ، وكيفية مواجهة ما يجري ، يحدق كل عربي ، بالآخر العربي ، باحثاً فيه ، عن عصب موروث ، عن طائفة ، أو مذهب ، أو قبيلة ، ليصبح عدواً له ، شاء هذا الآخر أن يقبل تلك العداوة ، أم لا ، وتحولت ” الباطنية ” التي فرضتها عصور الخوف على بعض المذاهب القليلة ، لتصبح منهج الجميع ، مع الجميع … هذا كله ، أدى ، ويؤدي إلى تثبيت هذا المناخ ، الذي لا يمكن ، أن يتيح التنفس ، لأي تحرك سياسي ، عقائدي جاد .. وهذا هو المطلوب ، لأصحاب هذا الواقع السوداوي الراهن ، وللمستفيدين من استمراره . فانتشرت في الوطن العربي ، فتاوى أهدار دم البعض ، من قبل البعض الآخر ، حتى أصبحنا ،نكاد ، لا نجد عربي ، غير مهدور دمه ، من عربي آخر ، بينما الأرض العربية ، مباحة ، والشعب مستباح ، لقوى تستثمر الذين يهدرون الدماء ، والذين تهدر دماءهم ، في آن واحد …
نقول هذا بداية ، حتى لا يبدو الحديث عن ” المسألة الناصرية ” ، وكأنه حديث ، عن مسألة منعزلة عن الواقع الذي نشأت فيه … فالسؤال من هو ” الناصري ” . ؟ قابله ، ويقابله سؤال داخل “كل تجمع سياسي عربي ” من هو ، أي ، أحد .. ؟ وكما تعددت الإجابات ، هنا ، وتناقضت ، وتناحرت ، ودخلت باب السفسطة ، حصل الشيء ذاته ، هناك ، بنسب مختلفة ، وحسب ظروف كل حالة ، على حدة .
(2)
وحتى لا يخرج هذا الحديث عن دائرة العنوان الذي اختاره لنفسه ، دعونا نحاول الإجابة على السؤال الهام : لماذا الحديث في هذا الموضوع الآن ، خاصة ، وأن الذي يتحدث ، نأى بنفسه عن الخوض في هذه المسألة ، حتى عندما كانت في مرحلة الذروة … وحتى عندما حملت بعض الشلل شهادات ” الانتماء للناصرية ” .. وشهادات ” الطرد من الناصرية ” توزعها على من تشاء ، كما كان يفعل الولاة العثمانيون ، عندما كانوا يمنحون رتب الباشوية ، والأفندية ، لمن يشاؤون ، ويوزعون ، في الوقت ذاته ، شهادات الارتداد ، والكفر بالله ، والإلحاد ، على من يشاؤون ، حسب ما تقتضي مصلحة الباب العالي ، بل وصلت الأمور بالبعض ” الناصري جداً” إلى درجة توجيه السؤال المباشر : هل أنت ناصري .. ؟ ولم أعرف في ذلك الوقت ، ولم أعرف إلى الآن ، ما قيمة الإجابة ، بالنفي ، أو الإيجاب ، وكأن ” الناصرية ” ، هي أمر مباح ، لمن يدعيه …. وكأنها ، ليست تعاملاً فعالاً مع الواقع ، لتغييره باتجاه الهدف ، الذي قضى جمال عبد الناصر من أجل تحقيقه … والأغرب من ذلك ، كله ، أن البعض سطر المقالات ، والكتب لدحض “ناصرية فلان” ، أو إثبات “ناصرية علان” .. يحيط بهذا كله ، أجواء من المناقشات ، أو على الأصح ، من اللغو الفارغ ، حول شكليات ، وقضايا جزئية ، لا علاقة لها ، بالخط الاستراتيجي لجمال عبد الناصر .. كل هذا يجري ، بينما ، الصهيونية ، والامبريالية ، ومنعكساتها الاستبدادية ، المتموضعة ، في كل مكان من الأرض العربية …كل أولئك يشتركون ، معاً ، في إدارة اللعبة على الأرض العربية ، وإدارة الرؤوس العربية ، في الاتجاه الذي لا يخدم ، لا الأمة ، ولا الوطن ، ولا ذكرى الرجل العظيم ، وعادت الساحة العربية تستقبل ، دون مقاومة تذكر ، مخططات الأعداء ، وجواسيسهم ، ولم نعد نسمع ، تلك ، الـ ” لا ” ، التي كان يتحدى ، بها ، جمال عبد الناصر ، كل ذلك …” سواء كان يملك إمكانيات هذا التحدي أم ، لا ” .. وتحولت ” ناصريات ” هؤلاء ، وأولئك ، إلى صورة لجمال عبد الناصر ، يعلقها من يشاء ، فوق رأسه ، ليتحول إلى زعيم ، حارة ، أو شارع ، أو شلة ، أو عصابة ، أو بعض من طائفة ، أو عشيرة ، حسب الحال ، وأصبحت ، تلك “الناصريات” ، ككل الشلل السياسية في الوطن العربي ، تتلهى بالمهاترات ، والشرذمة ، والانقسامات ، والقضايا الجزئية الصغيرة … وعندما تتململ الجماهير ، التي عاشت مع جمال عبد الناصر ، عصر التحدي ، والمقاومة ، والرفض ، تظهر دعوات لتوحيد ” الناصريين ” في قطر معين / ونادراً في الوطن العربي / ثم يتبين ، وبعد جدال ، وصراخ ، وإلى آخره .. أن توحيد أصحاب الجلالة ، والفخامة ، حكام الدول العربية ، أقرب ،وأكثر سهولة ، من ذلك بكثير .
فعلى ، ماذا ، يختلفون …..؟ ، وبماذا هم “ناصريون” .. ؟ !
سنوات عديدة مضت ، ونحن نهرب من الإجابة على هذا السؤال : ليس خوفاً ، ولا جهلا ،ً ولكن رجاء ، في ، أن ينفضّ هذا السوق ، الذي نصبوه ، للاتجار ، بالقائد ، الفذ ، عبد الناصر – حياً وميتاً – ، ورجاء ، في ، أن تأخذ ، جماهير القائد ، الفذ ، دورها ، في شق الطريق ” الذي قضى القائد ، الفذ ، نحبه ” باتجاه الأمة الموحدة ، والأرض الواحدة ، والشعب العربي المتحرر من السيطرة ، والاستنزاف الأجنبي ، والاستغلال ،والاستبداد الداخلي … متحرر ، من التخلف ، وأمراضه ، وطوائفه ، ومذاهبه ، وعنصرياته ، وقبلياته ، حيث يعيش ، بما يملك من إمكانيات ، ويتقدم ، بما يملك من طاقات …
إن المتتبع ، لمجريات الأحداث ، التي تلت رحيل جمال عبد الناصر ، وممارسات ، الذين يدعّون ” الناصرية ” في الوطن العربي ، يستنتج ، دون عناء يذكر ، أن ، لا علاقة ، البتة ، بين “المدعيّن” ، وبين الرجل ، الذي ينسبون أنفسهم إليه … لا شكلا ، ولا موضوعا .. يكفي التأكيد على حقيقة واحدة ،ماثلة ،وهي ، أن المخططات المعادية للأمة العربية ، للوجود العربي ، والتي كان الطريق إلى تنفيذها ، غير سالكة ، بسبب عقبة التحدي ، التي مثلها جمال عبد الناصر ، أصبحت ، الآن ، واقعا معاشاً ، أو هي ، على الأقل ، قيد التنفيذ الفعلي . فإذا كان ثمة وجود ” لناصرية ، ما ” في الوطن العربي ، هل لنا ، أن نسأل :
ما هو التحدي ، الحقيقي ، الذي جسدته تلك “الناصريات” للمخططات المعادية ، وإذا كانت ، لم تفعل ، عجزا ، أو خيبة ، أو .. ؟ .. هل لنا ، أن نسأل ، بماذا هي “ناصرية” .. ؟
قد تأتي الإجابة ، بالميثاق ، ببيان ” 30 مارس ” ، بخطب عبد الناصر ، بفلسفة الثورة ، بتحالف قوى الشعب العاملة … لكن ، هل هذا كله ، كلمات تقال ، أم واقع يعاش . لقد كان “الميثاق” ، والتحالف ، والوحدة ، والعدالة الاجتماعية ، بالنسبة لجمال عبد الناصر ، معارك يومية ، مما جسّد ، على طول الأرض العربية ، وعرضها ، تلك المشاعر ، العريضة ، التي حصنت الأمة ضد الانزلاق ، إلى مخططات الأعداء ، ومشاريعهم . فالمطلوب ” كحد أدنى ” لأي فرد ، أو جماعة ، حتى ينتسب ، أو ينسب ، لخط جمال عبد الناصر ، هو المحافظة على روح المقاومة ، والتحدي ، للمشاريع المعادية ، لإجهاضها ، ثم العمل على تحقيق مخطط الاستقلال الوطني ، والاقتصادي ، والسياسي ، للأمة العربية ، وهذا ، مالا يتوفر ، على حد علمنا ” بالناصريات ” موضوع الحديث .
لقد حاولت ،أغلب ، تلك ” الناصريات ” أن تكسب حب ، وولاء جماهير عبد الناصر ، من جهة ، وأن تحقق المكاسب ، والسلامة على حساب مباديء جمال عبد الناصر ، من جهة أخرى ، والمسألة لا تكلفها في النهاية ، إلا صورة ، بإطار فاخر ، لجمال عبد الناصر ، وقليل من الورع ، والخشوع ، عند الحديث عنه ، وهذا بنظرها ، يكفي ، لأن تفعل بعد ذلك ما يحلو لها ، ثم ، يغدو ، هذا الذي يحلو لها ، هو ” الناصرية ” ، وما عداها ” كفر ، بها ” .. !!
(3)
لقد ، كانت المعايير ، التي تحكم تصرفات جمال عبد الناصر ، هي معايير التحدي ، والمقاومة ، لقد قال ، يوما ، أنه ، كان ، إذا اتخذ إجراء ، أو تصرف ، ما ،ولم تهاجمه القوى المعادية ، وأجهزة إعلامها ، فمعنى هذا ، أن ، في هذا التصرف ، خلل ، ما ، … هذا النمط ، من التفكير ، والسلوك ، انقلب رأساً على عقب في السبعينات ، و الثمانينات ، وأضحت الشطارة ، والفهلوة ، ومعرفة ، ما هي مخططات القوى ” العظمى ” ، ثم الاتساق مع تلك المخططات ، وبذل كل الجهود لتنفيذها ، هو الشعار المرفوع ، ليس على مستوى الأنظمة ،وحسب ، وإنما على مستوى المنظمات ، والأحزاب ، والقوى السياسية ، في الوطن العربي ، أيضا ، ” إلا ما ندر ” ، نقول ، هذا ، في معرض حديثنا عن ” الناصريات ” علّنا نحدد ، موضوعياً ، الأسباب الكامنة ، للمأساة ، التي تلقي ، بظلالها ، الكثيفة على وجودنا ، فأوضاع القوى ، والأحزاب ، والمجموعات ، والفرق ، والملل السياسية الأخرى ، في الوطن العربي ، ليست أحسن حالا ، من أوضاع ” الناصريات ” إياها … ذلك ، أن الخريطة السياسية ، في الوطن العربي ، تحولت إلى قوى ،كاريكاتورية التكوين ، تفتقد ، أدنى حد ، من الترابط المنطقي ، بين الشكل ، والمضمون ، بين الممارسة ، والأهداف المعلنة . حتى يكاد المراقب ، لا يجد أدنى علاقة بين الأيديولوجيات المشرعة ، والسلوك الحقيقي ، لأصحابها ، وهذا ، ما أدى إلى النتيجة المنطقية ، وهي تهميش دور الحركات السياسية ، في الوطن العربي ، وعودة علاقات التخلف ، من أول القبلية ، والعشائرية ، إلى آخر الطائفية ، والمذهبية ، والعائلية ، والإقليمية ، لتصبح ، هي العلاقات الحقيقية ، السائدة .
وتحولت القوى السياسية ، والإيديولوجيات السياسية ، إلى مجرد قشور سطحية ، تسقط في الممارسة الحقيقية … لقد أضحى السؤال ، إلى ، أية ، طائفة تنتمي..؟ ، أو ، من أي مذهب أنت…؟ ، أو ، أين مسقط رأسك..؟ ، أو ، من أين انحدر ، جد ، أجدادك ..؟ ، أكثر أهمية ، بما لا يقاس من :
ما هو ، حزبك السياسي …؟ أو ، ما هي الإيديولوجية الفكرية ، التي تحكم تصرفاتك .. ؟ !!
نقول هذا ، لنشير إلى الأزمة العامة ، لحركة التحرر العربية ، أو حتى ، لا يخطر ببال ، أي كان ، أن يعتبر خصوصية هذا الحديث عن ” الناصرية ” ، أنه يقتصر عليها .. فلدينا ما نقوله ، لمختلف الفصائل ، والمجموعات ، والأحزاب السياسية العربية ، كل ، بالأسلوب المناسب .. ، ذلك ، أن ما جرى في الوطن العربي ، وما يجري ، يستحق من كل عربي ، مراجعة شاملة ، حتى ، لبعض الأفكار التي “سمت” لديه ، في بعض الأحيان ، إلى درجة “التقديس” ، للوصول إلى فرز حقيقي ، يعتمد على ، ما اختار ، ومارس ، أي ، عربي ، لا على صك ميلاده … على هويته ، العقائدية ، فكرا ،ً وسلوكاً ، لا على الهوية ، التي تصدرها دوائر الأحوال المدنية ، وغير المدنية ، في الوطن العربي .
(4)
وإذا كان لابد من تغيير الصورة ، فإن عملية التغيير ، المرجوة ، تبدأ ، بالتعامل مع الواقع العربي ، كما هو ، دون الاستسلام ، لظواهره المرضية ، ودون الانزلاق ، إلى خنادق الصراعات المشبوهة ، بين قوى تتصارع ، حتى الموت ، أحياناً ، لكنها تصل في النهاية ، بهذا الشكل، أو ذاك ، إلى ذات المحطة المرسومة ، سلفاً ، من القوى المعادية ، وهذا يقتضي ، من الذين يرشحون أنفسهم ، للنهوض ، بحركة التحرر العربية ، من جديد ، أن يمتلكوا رؤية جديدة ، شاملة ، تقتضي ، في اغلب الأحيان ، تخطي حدود ، الشلل ، والأحزاب ، والمجموعات ، والأقاليم ، والطوائف ، إلى نمط جديد من التفكير ، والممارسة ، فلم تعد تكفي ، انتفاضة داخل هذه الفئة ، أو انقسام تصحيحي داخل ذاك التيار … فكل ما تؤدي إليه ، مثل هذه الحركات ، هو زيادة تفتيت البنية السياسية السائدة .. ، وأجزاء ، الأجزاء ، لن تكون أكثر فاعلية … مهما بدت ولادة الجنين المنقسم براقة .
المطلوب ، هو بناء مؤسسة قومية عربية ، حقيقية ، بين المناضلين ، الذين أفرزتهم التجربة المرة ، … مؤسسة ثورية ، مكوناتها الأساسية ، مستمدة من أجزاء مختلفة المنشأ ، لكنها موحدة الرؤية ، والهدف ، والسلوك ، نتيجة للخبرة ، والمعرفة ، وانكشاف الكثير ، الكثير من الأوراق ، التي كانت مستورة ، إلى وقت قريب جداً … ما نقصده باختصار ، هو ، أن الحدود القائمة بين القوى ، والمجموعات السياسية ، في الوطن العربي ، لم تعد تعبّر ، تعبيرا موضوعياً ، عن واقع الحال ، فلم يعد الانسجام ، سائداً ، داخل المجموعة الواحدة ، ولم يعد التضاد ، حاداً ، بين المجموعات ، التي كانت متناقضة ، إلى وقت قريب ، أو ، هي متناقضة ، إلى الآن – بل نحن أمام واقع ، قد نجد ، فيه ” كادر .. ما ” في حالة تصادم ، مع عناصر خليته ، حول قضية حارة مطروحة ، بينما ، نجده ، متفقا ، ومنسجما ، مع آخر ، في تجمع آخر ، من المفترض ، أن التنافس حاد ، بينهما ، في المنطلقات ، والأهداف .. هذه ، الحال ، تعبر ، تعبيراً حقيقيا ، عن أزمة البنية الحزبية ، والحركية العربية ، وتعبر ، أيضاً ، عن تخلف تلك البنية ، في فهم التغيرات الحادة ، التي جرت في الواقع العربي ، مما حولهّا ، من أحزاب تسعى ، لتغيير هذا الواقع ، إلى أحزاب تجري ، وراء الأحداث ، علهّا ، تفسر ما يجري ، وغالباً ، ما تعجز ، حتى ، عن تفسير ، هذا الذي يجري ، وهذا يفسر لنا ، بوضوح ، حالة العجز الصارخ – الذي هو ، السمة المميزة ، للحركات السياسية العر
المزيد